من خلط ما بالعرض بما بالذات . وليعلم انّ اسرار هذه الدقائق وحقايق هذه الاسرار ، تستحقّ قريحة أوسع وألطف من القرائح الجمهوريّة ، وذهنا ارفع واحقّ من الأذهان المشهوريّة ، وتامّلا اغور وادقّ من التأمّلات الوهمانيّة . وإذ قد اسبغ اللّه سبحانه علينا نعمه ظاهرة وباطنة ، فتمّ ميقات اثبات الحقّ واستبان سبيل ابطال الشكوك والأوهام ، وبلغت القوّة النظريّة نصابها الا على ، من كمال العقل المستفاد على الأمد الأقصى ، فلننتقل الآن إلى تحقيق القول في القدرة الحقّة الفعّاليّة الوجوبيّة ، والإرادة الواجبة الفياضيّة القيوميّة ، على سياقة النظر السابغ والفحص البالغ .
ومضة
ألم يقرع سمعك ؟ - انّ فريقا من المتّبعين لأوهامهم ، يظنّون انّ للقدرة معنيين .
صحّة الفعل والترك ، وكون الفاعل في ذاته بحيث إذا شاء فعل وان لم يشأ لم يفعل . ويقولون انّ من ذهب من الفلاسفة إلى قدم العالم ، لا يثبت للبارئ الفعّال ، جلّ سلطانه ، الّا المعنى الأخير ، دون المعنى الاوّل . ولا يشعرون انّ المعنيين متلازمان ، بحسب المفهوم وبحسب التحقّق ، وانّ من أثبت المعنى الثاني ، لا محيص له من اثبات المعنى الأول بتّة .
أليس ؟ - إذا كان الفاعل ، بحسب نفس ذاته ، بحيث ان شاء فعل وان لم يشاء لم يفعل ، كان لا محالة من حيث نفس ذاته ، مع عزل النظر عن المشيّة واللّامشيّة ، يصحّ منه الفعل والترك ، وان كان يجب منه الفعل إذا وجبت المشيّة ، والترك إذا وجبت اللّامشيّة . فدوام الفعل ووجوبه ، من تلقاء دوام المشيّة ووجوبها ، ليس يصادم صحّة الترك على تقدير اللّامشيّة . وكذلك دوام الترك ووجوبه من جهة اللّامشيّة ، ليس يصادم صحّة الفعل على تقدير المشيّة . ومن المعلوم البيّن ، انّ الذاهبين إلى قدم العالم من الفلاسفة أو المتفلسفة ، انّما يوجبون دوام الفعل للبارئ الفعّال ، جلّ سلطانه ، من حيث وجوب دوام المشيّة ، إذ يقولون ، انّه سبحانه تامّ وفوق التمام . فيجب ان يكون بحسب ذاته التامّة الفيّاضة وعلمه التامّ بنظام الخير ، دائم المشيّة لا فاضة الخير . وذلك لا ينافي صحّة الترك على تقدير عدم المشيّة . فصدق العقد الشرطىّ لا يستلزم صدق شئ من العقد الحملىّ