تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القبسات — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
من تلقاء طبيعة الامكان وطباع المعلوليّة . فالبارئ الفعّال ، جلّ عزّه ، بقدرته وارادته وعلمه وحكمته ، صبّ سجال الفيض والرحمة على عالم الامكان حسبما وسعه وسع استحقاق ماهيّته ومنّة طباع امكانه . فالله سبحانه ، علم من علمه بذاته نظام الخير في فعله ، وهو عالم جملة عوالم الامكان واقاليمه ، بنظامه الجملىّ المتّسق ، فقال له « كن » فكان . فان قيل : لم لم يفض على فعله الوجود الغير المسبوق بالعدم الصريح ؟ كان الجواب : لانّه لم يحتمله بطباعه ، ولم يستحقّه بجوهره ، فذلك من نقصان جوهر الفعل ، لا لضنانة وامساك من الفاعل ، كما انّه لم يفض عليه الوجود المقدّس عن الماهيّة ، لنقصان ذاته وقصور طبيعته . وان قيل لم لم يبدعه قبل ما أبدعه ؟ كان الجواب ؟ لانّه لا قبل له ، الّا الازليّة السرمديّة الممتنعة في حقّه ، من جنبة طباع ذاته واستحقاق ماهيّة .

وميض

وعلى هذا السبيل ، استدلالهم في مسلك الجدل بلزوم التعطيل ، حيث يقولون : انّ القول بازليّة البارئ الحقّ سبحانه ، وحدوث مجعولاته بأسرها ، انّ هو الّا تعطيل الجواد الحقّ عن جوده ، عند عدم المجعولات رأسا ، وذلك خلف محال ، إذ انّما جوده المطلق وجواديّته المحضة بالذات ، بحسب مرتبة الذات ، لا من جهة امر وراء نفس الذات أصلا ، والواجب بذاته لا يكون الّا واجبا بالذات من جميع جهاته ، وليس يصحّ ان يتّصف أخيرا بما ليس له اوّلا في مرتبة ذاته . وأو لا يتدبّر ما ذا يضرّ الشمس دوام شعاعها وبقاء ذرّات في نورها ؟ فما ظنّك بشمس عالم العقل ، وهو نور الأنوار ، غير متناهي النوريّة والمجد والكمال ، إذا كان مفيضا للنور ، وقائما بالقسط أزلا وابدا ؟ ومن البيّن انّ ما يفيض منه الوجود دائما ، فهو أفضل وأجود وافعل وأفيض ممّا يتعطل مدّة لا عن بداءة ، ثمّ ينبعث فيه فعل الايجاد والإفاضة . فهذه الحجّة أيضا جدليّة السياق ، موضوعة الأساس على أوضاع المتكلّفين لما لا يعنيهم ، لا برهانيّة المساق من سبيل الأصول العقليّة والقوانين النظريّة ، فمن المنصرح عند المتبصّرين بمسالك العقل المضاعف ، انّه انّما كان يلزم