وقال في الشفاء في ثاني أولى السماع الطبيعي : وقد يقال انّ الشّىء كان عن الهيولى وعن العدم ، ولا يقال ، كان عن الصورة ، فيقال انّ السرير كان عن الهيولى ، اى عن الخشب ، ويقال كان عن اللّاسرير . وفي كثير من المواضع يصحّ ان يقال انّه كان من الهيولى ، وفي كثير منها لا يصحّ . ودائما يقال انّه كان عن العدم . فانّه لا يقال : كان عن الانسان كاتب ، بل يقال انّ الانسان كان كاتبا ويقال عن النّطفة كان انسان ، ويقال :
عن الخشب كان سرير . والسبب في ذلك ، امّا في النطفة ، فلانّها خلعت صورة النطفيّة فيكون هاهنا لفظة « عن » تدلّ على معنى بعد ، كما في قولهم : كان عن العدم ، كما يقال انّه كان عن اللّاإنسان انسان ، اى بعد اللّاإنسانيّة . انتهى كلامه .
وأنت كنت قد استيقنت غير مرّة واحدة ، انّ العدم الزمانىّ المتقدّم على وجود الكائن ، تقدّما بالزمان ، ليس يصحّ فيه ان يقال انّ بارتفاعه يكون وجود الكائن ، فانّه في حدّه وعن زمانه لا يرتفع بتّة . والّا ، اجتمع النقيضان . وفي حدّ الوجود وزمانه ، لم يتحقّق قطّ ، حتّى يرتفع عنه . فالعدم الزمانىّ في الزمان القبل ، ليس هو بمقابل لوجود الكائن الحادث في الزمان البعد . فاذن لا يصحّ ، ان يقال : بارتفاع العدم يكون الوجود الّا في العدم الصريح الدهرىّ الّذي بحسبه الحدوث في الدهر ، لا غير .
فاذن ، استبان انّ الوجود المرهون بالامكان الاستعدادىّ الّذي لا يكون كونه الّا بارتفاع لا كونه في الواقع ، يجب ان يكون هو حادثا في الدهر ، لا محالة . فليستبصر .
وميض
اما كنّا قد تلونا عليك ، فيما قد سبق ؟ - انّ الحدوث الزمانىّ ، وهو كون وجود الشئ مسبوقا بعدمه الممتدّ المستمرّ قبل زمان الوجود إلى وقت الحدوث ، انّما مرجعه إلى اختصاص الوجود بزمان محدود ، مقطوع من جهة البداءة عندان بعينه ، هو طرف ذلك الزمان ، أو بحدّ ما غير منقسم من حدود الزمان الّتي هي الآنات . والعدم الزمانىّ في الزمان القبل غير مقابل للوجود الحادث في الزمان أو الآن البعد ، لاختلاف الحدّين المتمايزين . فذلك العدم الغير المقابل لهذا الوجود ، بما هو ذلك العدم ، ليس يصادم