تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القبسات — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
المأمون ، فاتاه ، فقال بنو هاشم : يا أبا الحسن ، اصعد المنبر ، فانصب لنا علما نعبد اللّه عليه . فصعد ، صلوات اللّه على روحه وجسده ، فقعد مليّا لا يتكلّم مطرقا . ثمّ انتقض انتقاضة ، واستوى قائما وحمد اللّه واثنى عليه ، وصلّى على نبيّه وأهل بيته ، ثمّ قال : اوّل عبادة اللّه معرفته وأصل معرفته توحيده ، ونظام توحيده نفى الصفات عنه ، بشهادة العقول انّ كلّ صفة وموصوف مخلوق ، وشهادة كلّ مخلوق انّ له خالقا ليس بصفة ولا موصوف ، وشهادة كلّ صفة وموصوف بالاقتران ، وشهادة الاقتران بالحدث ، وشهادة الحدث بالامتناع من الأزل الممتنع من الحدث . فليس اللّه من عرف بالتشبيه ذاته ، ولا ايّاه وحدّ من اكتنهه ، ولا حقيقته أصاب من مثله ، ولا به صدّق من نهّاه ، ولا صمد صمده من أشار اليه ، ولا ايّاه عنى من شبّهه ، ولا له تذلّل من بعضه ، ولا ايّاه أراد من توهّمه . كلّ معروف بنفسه مصنوع ، وكلّ قائم في سواه معلول ، بصنع اللّه يستدلّ عليه ، وبالعقول تعتقد معرفته ، وبالفطرة تثبت حجّته ، خلقة اللّه الخلق حجاب بينه وبينهم ، ومباينته ايّاهم مفارقته اينيّتهم ، وابتداؤه ايّاهم دليلهم على أن لا ابتداء له ، لعجز كلّ مبتدأ عن ابتداء غيره ، رادوه ايّاهم دليلهم على أن لا أداة فيه ، لشهادة الأدوات بفاقة المؤدين ، فأسماؤه تعبير ، وافعاله تفهيم ، وذاته حقيقة ، وكنهه تفريق بينه وبين خلقه ، وغيوره تحديد لما سواه . فقد جهل اللّه من استوصفه ، وقد تعدّاه من اشتمله ، وقد اخطأه من اكتنهه . ومن قال « كيف ؟ » فقد شبّهه ، ومن قال « لم ؟ » ، فقد علّه ، ومن قال « متى ؟ » فقد وقّته ، ومن قال « فيم ؟ » فقد ضمّنه . ومن قال « إلى م ؟ » فقد نهّاه ، ومن قال « حتّى م » فقد غيّاه ، ومن غيّاه ، فقد غاياه ، ومن غاياه ، فقد جزاءه ، ومن جزاءه ، فقد وصفه ، ومن وصفه ، فقد الحد فيه . لا يتغيّر اللّه بانغيار المخلوق ، كما لا يتحدّد بتحديد المحدود ، أحد لا بتأويل عدد ، ظاهر لا بتأويل المباشرة ، متجلّ لا باستهلال رؤية ، باطن لا بمزايلة ، مباين لا بمسافة ، قريب لا بمداناة ، لطيف لا بتجسّم ، موجود لا بعد عدم ، فاعل لا باضطرار ، مقدّر لا بجول فكرة ، مدبّر لا بحركة ، مريد لا بهمامة ، شاء لا بهمّة ، مدرك لا بمجسة ،