تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل آل طوق القطيفي — صفحة 509

مساهمون:

ص٥٠٩
الأرض إلَّا بها . أو القضاء الذاتيّ الذي هو أحد رتب الوجود العامّ . فقد ورد ( 1 ) أن لله قضاءً حتماً وهو الوجوديّ بالأصالة ، وقضاءً غير حتم وهو العرضيّ . فكما له تعالى إرادتان : إرادة حتم وإرادة عزم ، كذلك له قضاءان . وقوله عليه السلام « وإرَادَتُكَ عَزْمٌ » لعلَّه أراد أن إرادته لا تكون إلَّا على كمال الاختيار لأنها صادرة عن الواحد المختار ، فليس في ملك الله جبر ، بل الخلق بجميع أنحائه جارٍ على كمال الاختيار ذاتاً وصفة وفعلًا ، حتّى في خلقه و * ( لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ) * ( 2 ) ، حتّى في وجودها وصفات وجودها ولوازمه وكمالاته . فحقيقة البشر لمّا طلبت من بارئها بلسان قابليّتها بكمال اختيارها أن تكون بشراً أعطاها الصورة البشريّة . وكذا الفرس والبقر والشجر والحشيش والمعدن ، وجميع ما ذرأ وبرأ من المجرّد والمادّيّ والعلويّ والسفليّ . بل كلّ ذي حرفة وصنعة طلب من جود بارئه أن يكون على تلك الحرفة والصنعة بكمال اختياره . وكذا كلّ ذي لون وهيئة وشكل من بياض وسواد ، وطول وقصر ، وغير ذلك ، كلّ طلب ما هو عليه من أرحم الراحمين بكمال اختياره أن يكون كما هو عليه . فلو أن البليد طلبت إنّيته بكمال الاختيار أن يكون ذا فطنة لَمَا كان بليداً * ( ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ) * ( 3 ) . وقد نصبت لك مرآةً إن [ أبصرت بها ( 4 ) ] نفسك بصفاء سرّك انطمست عنك كلّ شبهة توهم الخبر في نحو من أنحاء الوجود ، حتّى في الذرّ والطين . فحاصل معنى قوله عليه السلام « إرَادَتُكَ عَزْمٌ » أي إنما تجري على كمال الاختيار من المراد ، لا جبر في فعله عزّ اسمه ومشيئته بوجه * ( وما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ الله ) * ( 5 ) . وإن أردت غير هذا فغير خفيّ أن لله إرادتين : إرادة حتم بالأصالة ، وإرادة عزم هي العرضيّة وهي التجلية . فلعلَّه عليه السلام أراد الثانية ؛ إظهاراً لثبوتها ، والله العالم .
هامش
( 1 ) الكافي 1 : 147 / 4 . ( 2 ) البقرة : 286 . ( 3 ) الكهف : 49 . ( 4 ) في المخطوط : ( أبصرتها ) . ( 5 ) الإنسان : 30 ، التكوير : 29 .