[ المراد من الخبث هو ما يستخبثه الإنسان من حيث ذاته وينفر منه ويشمئز منه من غير فرق بين العرب والعجم وأهل المدن والبادية وزمان اليسار وغيره ويقابله الطيب الذي هو كذلك ، فلا عبرة بنفرة بعض الطباع ] .
شرح
إلّاأنّه لا يخفى عليك ما في الجميع ، ضروة كون المراد من « الخبيث » الذي هو عنوان التحريم هو ما يستخبثه الإنسان بطبعه السليم من آفة من حيث ذاته وينفر منه ويشمئزّ منه ، من غير فرق بين العرب والعجم وأهل المدن والبادية وزمان اليسار وغيره ؛ إذ هو معنى قائم في المستخبث لا يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والناس ، ويقابله « الطيب » الذي هو كذلك ، فلا عبرة بنفرة بعض الطباع ، لعدم تعوّد أو لعدم ملائمة لخصوص ذلك الطبع أو لغير ذلك ممّا يكون سبباً للنفرة لا من حيث الطبع الإنساني المشترك بين غالب أفراده .
أو يقال : إنّ المراد بيان سهولة هذه الملّة وسماحتها وعدم الحرج فيها وعدم التكليف الابتلائي فيها ، كما اتّفق لبني إسرائيل الذين حرّم عليهم بعض الطيّبات بسبب أفعالهم ، وانّ المحرّم فيها الخبائث ، والمحلّل فيها الطيّب لتشتدّ الرغبة في الدخول فيها .
قال المفضّل : قلت لأبي عبد اللَّه عليه السلام لِمَ حرّم اللَّه الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير ؟ قال : « إنّ اللَّه تبارك وتعالى لم يحرّم ذلك على عباده وأحلّ لهم ما سواه من رغبته منه فيما حرّم عليهم ولا زهد فيما أحلّ لهم ولكنّه خلق الخلق فعلم ما تقوم به أبدانهم وما يصلحهم ، فأحلّه لهم وأباحه تفضّلًا منه عليهم به لمصلحتهم ، وعلم ما يضرّهم فنهاهم عنه ، وحرّمه عليهم ، ثمّ أباحه للمضطرّ وأحلّ له في الوقت الذي لا يقوم بدنه إلّابه ، فأمره أن يتناول منه بقدر البلغة لا غير ذلك » .
ثمّ قال : « أمّا الميتة فإنّه لا يدمنها أحد إلّاضعف بدنه ونحل جسمه ووهنت قوّته وانقطع نسله ، ولا يموت آكل الميتة إلّا فجأة ، وأمّا الدم فإنّه يورث أكله الماء الأصفر ، ويبخر الفم ويورث الكلب والقسوة في القلب وقلّة الرأفة والرحمة حتى لا يؤمن أن يقتل ولده ووالديه ، ولا يؤمن على حميمه ، ولا يؤمن على من يصحبه ، وأمّا لحم الخنزير فإنّ اللَّه تبارك وتعالى مسخ قوماً في صور شتّى مثل الخنزير والقرد والدبّ وما كان من المسوخ ، ثمّ نهى عن أكل المثلة لكيلا ينتفع الناس به ، ولا يستخفّوا بعقوبته ، وأمّا الخمر فإنّ اللَّه حرّمها لفعلها وفسادها ، وقال : مدمن الخمر كعابد وثن يورثه الارتعاش ، ويذهب بنوره ، ويهدم مرؤته ، ويحمله على أن يجسر على المحارم من سفك الدماء وركوب الزناء ، ولا يؤمن إذا سكر أن يثب على محرمه وهو لا يعقل ذلك ، والخمر لا يزداد شاربها إلّاشرّاً » « 1 » .
إلى غير ذلك من النصوص الواردة في بيان علل تحريم ما حرّمه عليهم .
ولذا ورد « 2 » أنّه سألوا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عند ذلك عمّا احلّ لهم ، فقال : « احلّ لكم الطيّبات كما حكاه اللَّه تعالى شأنّه بقوله :يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ« 3 » إلى آخرها .
وحينئذٍ يكون الحاصل انّ المراد : بيان أنّ الذي حرّمه عليهم من الخبائث بخلاف ما أحلّه لهم ، فإنّه من الطيّبات ، لا أنّ المراد جعل ذلك عنواناً للحلّ والحرمة حتى يشكل باختلافه باختلاف الناس ويرمى لذلك بالإجمال .
هامش
( 1 ) الوسائل 24 : 99 ، ب 1 من الأطعمة المحرّمة ، ح 1 مع اختلاف في اللفظ .
( 2 ) المبسوط 6 : 278 . انظر الدرّ المنثور 3 : 21 . تفسير الثعلبي 4 : 19 .
( 3 ) المائدة : 4 .