. . . . . . . . . . . . . . . .
شرح
3 - وعلى ما لا أذى فيه في النفس والبدن كما يقال : « زمان طيّب » ، أيلا أذى فيه من حرٍّ أو برد . إلّاأنّ الأوّلين غير مرادين هنا ؛ ضرورة عدم الفائدة في الجواب على الأوّل منهما ، بل وعلى الثاني الذي هو توقيفي من الشارع .
بل في المسالك ولا الثالث ، لأنّ المأكول لا يوصف به « 1 » ، وإن كان فيه منع واضح .
ثمّ قال : « فتعيّن أن يكون المراد ردّهم إلى ما يستطيبونه ولا يستخبثونه ، فردّهم إلى عادتهم وما هو مغرز في طبائعهم ، ولأنّ ذلك هو المتبادر من معنى الطيب عرفاً ، وسيأتي في الأخبار ما ينبّه عليه ، والمراد بالعرف الذي يرجع إليه في الاستطابة عرف الأوساط من أهل اليسار في حالة الاختيار دون أهل البوادي وذوي الاضطرار من جفاة العرب فإنّهم يستطيبون ما دبّ ودرج ، كما سئل بعضهم عمّا يأكلون ، فقال : كلّ ما دبّ ودرج إلّاامّ جبين ، فقال بعضهم : لتهنأ امّ جبين العافية لكونها أمنت أن تؤكل » « 2 » .
وفيه : أنّ أكلهم ذلك لا يقتضي استطابتهم له . ومنه يعلم ما في مجمع البرهان قال : « معنى الخبيث غير ظاهر ، إذ الشرع ما بيّنه ، واللغة غير مرادة ، والعرف غير منضبط ، فيمكن أن يقال : المراد عرف أوساط الناس وأكثرهم حال الاختيار من أهل المدن والدور لا أهل البادية ، لأنّه لا خبيث عندهم ، بل يستطيبون جميع ما يمكن أكله ، فلا اعتداد بهم » « 3 » .
بل ربّما نوقش أيضاً : ب « - أنّه إن أراد إحالة التنفّر والإشمئزاز إلى عرفهم فهو إنّما يتمّ لو علم أنّه معنى الخباثة وهو بعد غير معلوم ، وإن أراد إحالة الخباثة إلى غيرهم فلا عرف لها عند غير العرب ، لأنّها ليست من لغتهم ولم يتعيّن مرادفها في لغتهم .
هذا مع أنّ طباع أكثر أهل المدن العظيمة أيضاً مختلفة في التنفّر وعدمه جدّاً ، كما لا يخفى على من اطّلع على أحوال سكّان بلاد الهند والترك والإفرنج والعجم والعرب في مطاعمهم ومشاربهم ، ولذا خصّ بعض بعرف بلاد العرب ، وهو أيضاً غير مفيد لأنّ عرفهم في هذا الزمان غير معلوم ، مع أنّه لو كان مخالفاً للّغة لم يصلح مرجعاً وكذا عرفهم في زمان الشرع .
وبالجلمة : لا يتحصّل لنا اليوم من الخبائث معنى منضبطاً يرجع إليه ، فيحب الاقتصار فيها على ما علم صدقها عليه قطعاً ، كفضلة الانسان ، بل فضلة كلّ ما لا يؤكل لحمه من الفضلات التحتية المنتنة ، وكالميتات المتعفّنة ونحوها ، والرجوع في البواقي إلى الأصل الأوّل .
ولا يضرّ عدم حجّية بعض العمومات المبيحة للأشياء ، لتخصيصها بالمجمل ؛ إذ الأصل العقلي والشرعي في حلّية ما لم يعلم حرمته كافٍ في المطلوب » « 4 » .
وربّما يؤيّد ذلك بأنّ عقاقير الأدوية المركّبة تنفر عنها غالب الطباع وتشمئزّ منها أكثر النفوس مع أنّها ليست خبيثة عرفاً ولا محرّمة شرعاً ، بل ربّما كان عدم الاعتياد سبباً في تنفّر الطبع ، كما في الجراد الذي تنفر عنه طباع العجم دون العرب ، وكالحية والفأرة والضب ونحوها التي تنفر عنها طباع أهل المدن دون أهل البادية ، وربّما كانت الحرمة الشرعية سبباً في ذلك كالخنزير الذي يستطيبه النصارى دون المسلمين .
هامش
( 1 ) المسالك 12 : 9 .
( 2 ) المسالك 12 : 9 ، وفيه : « مقرّر » بدل « مغرز » .
( 3 ) مجمع الفائدة والبرهان 11 : 156 - 157 .
( 4 ) مستند الشيعة 15 : 11 - 12 .