. . . . . . . . . . . . . . . .
شرح
التسبيب الصادر من الشارع نحو « من فعل كذا فله كذا » المعلوم كونه غير عقد .
وإطلاق اسم « العقد » عليها - وإن وقع من المصنّف وغيره بل في معقد إجماع التذكرة أنّها عقد جائز « 1 » ، ولعلّه لذا قال في جامع المقاصد : « ظاهرهم أنّها من العقود الجائزة ، فيكون القبول فيها فعليّاً » « 2 » ، بل حمل بعضهم « 3 » نفيهم القبول على نفيه لفظاً ، كما عبّر به الفاضل « 4 » - يمكن حمله على إرادة العهد منه ، بل ينبغي الجزم به لصدوره ممّن ظاهره أو صريحه الإيقاعية .
وخبر عليّ بن جعفر عن أخيه عليه السلام المروي عن كتابه سألته عن رجل قال لرجل : أعطيك عشرة دراهم وتعلّمني عملك وتشاركني هل يحلّ له ذلكّ قال : « إذا رضي فلا بأس » « 5 » لا يراد منه القبول العقدي ، بل المراد منه عدم البأس مع تراضيهما على ذلك .
ويؤيّده زيادة على ما ذكرنا ترتّب أثرها على من لم يرد الفعل أوّلًا ثمّ أراد وفعل حتى لو تلبّس بالعمل ثمّ رفع يداً عنه ثمّ عاد إليه وإن توقّف فيه بعضهم ، بل بناه على العقدية والإيقاعية ، لكن التحقيق صحّته للصدق .
وليس ذلك إلّالأنّها من باب التسبيب وإلّا فمع فرض كون ذلك فسخاً أو كالفسخ لا بدّ من إيجاب جديد . وجواز مثله في الوكالة من باب الإذن لا من بقاء عقدها ، على أنّ القبول هنا في الصيغة العامّة إذا كان العمل قابلًا للتكرار يقتضي كونها بمنزلة عقود متعدّدة حتّى يكون الفسخ من بعضهم مختصّاً به دون غيره .
وبالجملة فالتأمّل التامّ خصوصاً بعد ما تسمعه من الأحكام التي لا توافق قواعد العقود العامّة مع فرض عدم دليل مخرج لها يقتضي أنّها بالتسبيب أشبه .
ودعوى أنّها كالوصية التي من إيجابها « افعلوا كذا » ونحوه لا يخفى عليك ما فيها ، بعد الإحاطة بما ذكرناه في الوصية ، وأنّها قسمان : وصيّة عهدية ، وليست من العقود في شيء ، وأخرى عقدية وهي بمنزلة الهبة ، ومن هنا لا تمنع إيقاع الجعالة في بعض أفرادها على نظم العقد المشتمل على الإيجاب والقبول .
إنّما الكلام في أصل مشروعيّتها على وجه إذا فقدت بعض ما يعتبر في العقود تكون باطلة .
ومن هنا قال في المسالك : « تظهر الفائدة فيما لو فعل العامل لا بقصد العوض ولا بقصد ا لتبرّع بعد الإيجاب ، فعلى الأوّل :
يستحقّ العوض ، لوجود المقتضي له ، وهو الصيغة مع العمل ، وعلى الثاني : لا يستحقّ وإن كان قد عمل ، لأنّ المعتبر من القبول الفعلي ليس هو مجرّد الفعل ، بل لا بدّ معه من انضمام الرضا والرغبة فيه لأجله ، كما نبّه عليه في الوكالة » « 6 » .
والذي ذكره في الوكالة عدم الاكتفاء في قبوله العقدي بفعل ما وكلّ فيه ، بل لا بدّ فيه مع ذلك من اقترانه بالرغبة والرضا ووقوعه قبل أن يردّ « 7 » ، وكان مراده اعتبار قصد ارتباط القبول بالإيجاب وعقده به .
هامش
( 1 ) التذكرة 17 : 443 .
( 2 ) جامع المقاصد 6 : 189 .
( 3 ) مفتاح الكرامة 6 : 186 .
( 4 ) التذكرة 17 : 431 .
( 5 ) الوسائل 23 : 193 ، ب 6 من الجعالة ، ح 1 .
( 6 ) المسالك 11 : 150 - 151 .
( 7 ) انظر المسالك 5 : 238 - 239 .