لا الصحّة الحقيقية التي يستحقّ فاعلها الثواب على فعلها [ 1 ] .
شرح
[ 1 ] من حيث صدق امتثال الأمر على وجهه المستلزم عقلًا بقاعدة اللطف استحقاق الثواب ، ولا الموافقة للأمر الذي قد عرفت أنّه يعتبر في امتثاله ملاحظة من كان الواسطة به . قال الباقر عليه السلام في خبر زرارة : « أما لو أنّ رجلًا قام ليله وصام نهاره وتصدّق بجميع ماله وحجّ جميع دهره ولم يعرف ولاية وليّ اللَّه تعالى شأنه فيواليه ويكون جميع أعماله بدلالته إليه ما كان له على اللَّه حقّ في ثوابه ، ولا كان من أهل الإيمان » « 1 » . وقال عليه السلام أيضاً في خبر آخر : « من دان اللَّه بغير سماع من صادق ألزمه اللَّه البتّة يوم القيامة » « 2 » . وقال أمير المؤمنين عليه السلام : « قد جعل اللَّه للعلم أهلًا ، وفرض على العباد طاعتهم بقوله :أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ« 3 » . وبقوله :وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ« 4 » . وبقوله :وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ« 5 » . وبقوله :وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ« 6 » وبقوله :وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها« 7 » والبيوت هي بيوت العلم الذي استودعه اللَّه عند الأنبياء ، وأبوابها أوصياؤهم ، فكلّ عمل من أعمال الخير يجري على يد غير الأصفياء وعهودهم وحدودهم وشرائعهم وسننهم مردود غير مقبول ، وأهله في محلّ كفر وإن شملهم وصف الإيمان إلى آخره » « 8 » . وعن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال لعلي عليه السلام :
« أنا مدينة العلم وأنت بابها ، فمن أتى من الباب وصل ، يا علي أنت بابي الذي أوتي منه ، وأنا باب اللَّه تعالى فمن أتاني من سواك لم يصل إلى اللَّه تعالى » « 9 » . إلى غير ذلك من النصوص التي هي فوق عدد التواتر ، بل لعلّه من ضروري مذهب الشيعة . ومن الغريب دعوى هؤلاء الفضلاء الصحّة في الكافر غير الجاحد ، مع أنّ مقتضاها اندراجه في المطيع ، بل لابدّ من ترتّب الثواب عليه بقاعدة اللطف ؛ لكونه وافق الأمر وجاء بالمأمور به على وجهه الذي أراده اللَّه تعالى منه ؛ لأنّ ذلك مقتضى الصحّة ، وعدم ترتّب الثواب على هذا الفرض منافٍ لقاعدة اللطف ، كما أنّ التزامه منافٍ لضرورة المذهب بل الدين . وكأنّ الذي دعاهم إلى ذلك جريان السيرة على إجراء حكم الصحّة على مثل مساجدهم وكنائسهم وبيعهم ونحو ذلك ، وقد عرفت عدم الصحّة فيها بالمعنى المزبور ، بل هو إجراء لحكمها لمصلحة من المصالح ، فينبغي الاقتصار فيه على المتيقن ، وأمّا ما عدا ذلك فلا . وبذلك يظهر لك النظر في جميع تلك الكلمات حتى ما في الرياض « 10 » ، وإن أكثر العجب من القائل بالصحّة ، لكن كان ينبغي أن يكون ذلك بالطريق الذي ذكرناه ، لا ما ذكره الذي قد عرفت إمكان فرضه على وجه يسلم ممّا ذكره ، على أنّه في آخر كلامه قد اختار الصحّة أيضاً في العتق إذا لم يكن عن كفّارة . نعم قد أجاد سيّد المدارك بقوله : « وأمّا اشتراط الإيمان فيدلّ عليه أنّ التكفير عبادة والعبادة من شرطها الإيمان ، والمقدّمتان إجماعيتان ، ويدلّ على الثانية الأخبار الكثيرة المتضمنة لبطلان عبادة المخالف » « 11 » وإن كان هو لم يذكر ما ذكرناه أيضاً من توجيه تعليلهم البطلان بتعذّر نيّة القربة من غير المؤمن . ومن الغريب أنّه في الرياض « 12 » وافق أوّلًا على اشتراط الايمان مستدلّاً عليه بنصوص ، ولكن قال بعد ذلك بصحّة عتق الكافر إذا لم يكن عن كفّارة .
وأغرب منه ما في التنقيح « 13 » من صحّة عتق الكافر غير الجاحد حاكياً له عن العلّامة واستحسنه ، وأنّه يستحق عليه عوضاً يشبه الثواب ، فيسقط بها جزء من عقابه ، ولا يخفى عليك ما فيه بعد الإحاطة بما ذكرناه ، واللَّه المؤيّد والمسدّد .
هامش
( 1 ) الوسائل 1 : 119 ، ب 29 من مقدمة العبادات ، ح 2 .
( 2 ) الوسائل 27 : 128 ، 129 ، ب 10 من صفات القاضي ، ح 12 ، 14 .
( 3 و 4 ) النساء : 59 ، 83 .
( 5 و 6 و 7 ) التوبة : 119 . آل عمران : 7 . البقرة : 189 .
( 8 ) الوسائل 27 : 194 ، ب 13 من صفات القاضي ، ح 44 .
( 9 ) الوسائل 27 : 76 ، ب 7 من صفات القاضي ، ح 40 .
( 10 ) الرياض 11 : 281 - 282 .
( 11 ) نهاية المرام 2 : 219 . التنقيح 3 : 436 .
( 12 ) الرياض 11 : 281 - 282 .
( 13 ) نهاية المرام 2 : 219 . التنقيح 3 : 436 .