تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
. . . . . . . . . . . . . . . .
شرح
مع أنّه لا خلاف في أنّه زنى لا يثبت به النسب . وما في القواعد من أنّ الحدّ إنّما يثبت في المحرّم بالإجماع ، كالخامسة وذات البعل ، دون المختلف فيه كالكتابية والمخلوقة من الزنى « 1 » يراد منه جواز استناد الواطئ مع الاختلاف إلى القول بالحلّ ، وليس المراد منه أنّه يدرأ عنه وإن علم منه خلاف ذلك ، كما هو واضح . كما أنّه قد يقال : إنّ المراد من العلم بالتحريم الذي اعتبر انتفاؤه في التعريف الثاني للشبهة : ما يعمّ الظنّ المعتبر أو العلم بالحكم الظاهري ؛ للقطع بفساد الحدّ على تقدير إرادة العلم القطعي بالحكم الواقعي . وحينئذٍ فيخرج عن التعريف وطء المخالف الذي لم يعتقد الحلّ في الظاهر وإن ظنّ الإباحة في نفس الأمر فإنّه معلوم الحرمة ، فلا يصدق عليه حدّ الوطء بالشبهة . بل بذلك يظهر انطباق التعريف المذكور على المدّعى ، وأنّه لا يصلح الاستناد إليه في تحقّق الشبهة بمجرّد الاحتمال . بل بمثله يتبين عدم صحة الاستشهاد بما دلّ على سقوط الحدّ مع الشبهة والجهل بالحكم ، فإنّه إنّما يصحّ لو أريد منها انتفاء العلم القطعي بالحكم الواقعي وهو ممنوع بل الظاهر خلافه ؛ لعدم صدق الشبهة والجهالة مع العلم بتحريم النكاح شرعاً ، وخصوصاً مع جعلهما عذراً يدرأ به الحدّ . وأمّا حديث الخنثى فإنّما يصحّ التأييد به لو كان إسقاط الحدّ عن زوجها لتجويزه كونها أنثى ، وهو ممنوع ؛ إذ الظاهر أنّه كان يعتقد أنّها امرأة نظراً إلى ظاهر الحال ، حيث كان الغالب عليها مشابهة النساء دون الرجال كما يستفاد من ظاهر الرواية وتقتضيه القرائن الحالية ، فإنّ الإقدام على تزويجها مع كون الغالب عليها مشابهة الرجال بعيد الوقوع في العادة . وأمّا روايات التعزير « 2 » - فمع عدم صراحة جميعها في وطء الشبهة ولا في أنّ المأتي به تعزير لا حدّ - محمولة على التهمة في دعوى الجهالة بمظنّة الزنى . أو على أنّ الإقدام على الوطء لظنّ معتبر لا يعلم الواطئ اعتباره . ولو سلّم فلا نسلّم امتناع التعزير مع الجهل بالحال ، وخصوصاً مع ظنّ عدم الاستحقاق ؛ لأنّ الوطء في تلك الحال لا ينفكّ عن اجتراء على القبيح ومخالفة الاحتياط المطلوب سيّما في الفروج ، مع ما فيه من قطع المعاذير الباطلة وحسم مادّة المعصية ، ولا ريب في أنّه مطلوب شرعاً . وأمّا فساد ما ذكر أخيراً فيعرف من ملاحظة كلام الفقهاء في الحدود ، فإنّه لم يشترط أحد منهم في الحدّ العلم بعدم الاستحقاق في تحقّق الزنى وانتفائه . وإنّما اعتبروا فيه العلم بالتحريم ، وبنوا عليه ثبوت الحدّ مع وجوده ، وسقوطه مع انتفائه في جميع المسائل التي فرّعوها على اعتبار العلم في حدّ الزنى ، كما لا يخفى على من لاحظ عبارة المصنّف والفاضل « 3 » وغيرهما هناك . هذا ، ولكنّ الإنصاف عدم منافاة الإثم في الوطء للشبهة إذا كان منشأه التقصير في المقدّمات ؛ ضرورة كون نكاح الكفّار ونحوهم جميعه من الشبهة وإن أثموا به باعتبار اختيار الأديان الباطلة ، وكذا ظانّ الحليّة من غيرهم . ولكن لتقصيره في عدم مباشرة أهل الشرع والالتفات إلى ما يراد منه لم يتنبّه إلى حرمة العمل له بهذا الظنّ ، فإنّه لا ريب في تحقّق الإثم عليه بذلك ، كما أنّه لا ريب في كونه من الشبهة ، والسكران إنّما خرج بالأدلّة الخاصّة .
هامش
( 1 ) القواعد 3 : 535 ، وليس فيه : « كالكتابية » . ( 2 ) الوسائل 28 : 125 ، 126 ، ب 27 من حد الزنى ، ح 1 ، 3 . ( 3 ) الشرائع 4 : 150 . القواعد 3 : 521 .