. . . . . . . . . . . . . . . .
شرح
حاله على ما حكاه عنه العسكري « 1 » عليه السلام قال : « ما من عبد للَّهإلّاوقد أخطأ أو همّ بخطيئة ما خلا يحيى بن زكريا عليه السلام فلم يذنب ولم يهمّ بذنب » « 2 » عكس المعهود من حال غيره الذي زيّن له حبّ الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة وغيرها من الملاذ والشهوات ، فلا دلالة في الآية على رجحان ترك التزويج ؛ ضرورة أنّ حصوريته بالمعنى المزبور لا تنافي تزويجه للنسل وغيره لا للشهوة واللذة ونحوهما .
ولعلّه إلى هذا وما يقرب منه يرجع ما أجيب عنه أيضاً بأنّ مدحه عليه السلام ليس على ترك التزويج حتى يدلّ على مرجوحيته ، بل على انكسار الشهوة الطبيعية له بغلبة الخوف واستيلاء الخشية وقهرها بالعبادات والرياضات . ولا ريب في حسن ذلك ومدحه وإن أدّى إلى ترك التزويج المطلوب فإنّ تأدية الشيء إلى ترك أمر مطلوب لا ينافي حسنه ؛ لتمانع أكثر الطاعات مع اتّصاف جميعها بالحسن .
وإنّما أطلق عليه « الحصور » لأنّ وجود الشهود فيه بمنزلة العدم ، فكأنّه حصور لا شهوة له أصلًا ، وليس إطلاقه عليه لترك النساء الملزوم لترك التزويج حتى يكون مدحاً له على ذلك فيستلزم مرجوحية التزويج ، ولا لسلب الشهوة ونزعها عنه بالكلّية حتى ينافي وروده مورد المدح والثناء ، ووقوعه نعتاً لمن لا يليق به النقص .
وعلى كلّ حال فلا دلالة في الآية على رجحان ترك التزويج لمن لم تتق نفسه اليه .
بل مما ذكرنا يستفاد الجواب عن الثاني ؛ ضرورة كون الذمّ المستفاد من آية التزيين لمن لم يبالوا بالدين وحدوده ، واتّبعوا ما تهواه أنفسهم من حبّ الشهوات من النساء وغيرها . لا أنّه شامل من تزوّج على الوجه الشرعي لإرادة النسل والذرّية ورفع الوحشة من الوحدة ، والإعانة على كثير من الطاعات والعبادات ، وإن لم تكن نفسه تائقة إلى التزويج . على أنّ الآية لو كان المراد ظاهرها لنافى رجحان التزويج لمن تاقت نفسه ؛ ضرورة أولوية اندراجه في آية التزيين من غير التائق .
وربّما أجيب عن الثاني بأنّ الذمّ المستفاد من الآية مختصّ بمحبّة ذلك للشهوة البهيمية دون إرادة الطاعة وامتثال الأمر .
وفيه : أنّ النكاح ليس من قبيل العبادات الموقوفة على إرادة الطاعة وقصد الامتثال حتّى يلزم أن لا يكون فعله على غير ذلك الوجه مستحبّا ومراداً ، بل من المعاملات التي يكفي في رجحانها وفضيلتها ترتّب الآثار والأغراض المطلوبة من الأمر عليها وإن لم يكن وقوعها على وجه الطاعة وقصد الامتثال .
ومن المعلوم أنّ ما يقتضي إرادة النكاح والأمر به من المصالح كتكثير النسل والامّة وإبقاء النوع والخلاص من الوحدة وغيرها ممّا لا يختلف الحال فيها بين أن يكون وقوع النكاح بقصد الامتثال وإرادة الطاعة ، أو لميل النفس وحبّ الشهوة . نعم وقوعه على وجه العبادة يتوقّف على أن يكون الفعل لأجل أمر الشارع وإرادته ، ولا كلام فيه ، فإنّ كلّ أمر مطلوب يصير بالنية وقصد الامتثال عبادة ، ويحصل به التقرّب ، وهذا لا يقتضي توقّف حصول المطلوب مطلقاً على ذلك .
وما يقال : إنّ المستحبّ ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه ، فإنّما أرادوا به إثابة فاعله على بعض الوجوه ، لا على كلّ وجه .
هامش
( 1 )
( 2 ) ( 1 ) تفسير الإمام العسكري عليه السلام : 659 .
( 2 ) البحار 14 : 186 ، ح 36 .