( و ) كيف كان ( ربّما احتجّ المانع بأنّ وصف يحيى عليه السلام بكونه حصوراً « 1 » يؤذن باختصاص هذا الوصف 29 / 19
بالرجحان ، فيحمل على ما إذا لم تتق النفس ) [ 1 ] .
( ويمكن الجواب ) عن الأوّل ( بأنّ المدح بذلك في شرع غيرنا لا يلزم منه وجوده في شرعنا ) [ 2 ] .
شرح
[ 1 ] وبأنّ قوله تعالى :زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ« 2 » إلى آخره وارد مورد الذمّ ، خرج منه ما اجمع على رجحانه فيبقى غيره تحت العموم .
وبأنّ في النكاح تعريضاً لتحمّل حقوق الزوجة والاشتغال عن كثير من المقاصد الدينية ، فالأولى تركه إلّامع خشية العنت ، فيستحبّ لمكان الحاجة .
[ 2 ] ودعوى أنّ الأصل بقاء الشرائع السابقة إلّاما دلّ الدليل على نسخه ، فإنّ شرعنا ليس ناسخاً لجميع ما في الشرائع السابقة بل المجموع من حيث هو مجموع ؛ للقطع ببقاء كثير منها كأكل الطيبات ، ونكاح الحلال ، والعبادات الثابتة في جميع الملل ، وأيضاً فوروده في كتابنا الذي هو في شرعنا من دون إشارة إلى نسخه دليل على بقائه فيه ، وإلّا لم يحسن مدحه عندنا .
يدفعها : أنّ الكتاب العزيز « 3 » والسنّة المتواترة « 4 » الدالّين على استحباب النكاح في شرعنا مطلقاً يثبت بهما النسخ ، ويخرج بهما عن مقتضى الأصل ، والمدح على ترك الشهوة الغير الراجحة في شرعه لحصر النفس ومنعها عن اللذات حسن في شرعنا وإن كانت راجحة فيه .
مع أنّ التوصيف بالحصور لم يقع خطاباً لأهل شرعنا ابتداء حتى يجب حسنه عندهم ، وإنّما خوطب به زكريا عليه السلام في مقام البشارة بالولد ، وذلك يقتضي حسنه عنده لا عندنا .
وربّما أجيب أيضاً بأنّه كان مكلّفاً بإرشاد أهل زمانه في بلادهم المقتضي للسياحة ومفارقة الزوجة المنافيتين لرجحان التزويج ، فلذلك مدحه على تركه ، لا لأنّ ترك التزويج من حيث هو كذلك مطلوب ومراد حتّى يدلّ على مرجوحيته .
والحاصل أنّ النزاع في حكم التزويج بالنظر إلى تركه المطلق ، ولا ينافي استحبابه كذلك رجحان الترك على وجه مخصوص .
وما يقال : إنّ مثله وارد في شرعنا الذي يستحبّ فيه التزويج لا تركه . يدفعه : منع ورود مثله في شرعنا ؛ ضرورة وجوب رجوع الناس إلى من يحتاجون إليه ، لا أنّه يجب عليه السياحة لتعليمهم .
ولو سلّم ذلك لوجب القول بترك التزويج لمن هذا شأنه ، فإنّ ملازمة التغرّب والسياحة ممّا لا يتأتّى معها القيام بحقوق الزوجية ، وحصول التمانع بينها وبين الإرشاد يقتضي تقديمه كما في يحيى عليه السلام .
ولعلّ الأولى في الجواب أنّ المراد ب « - الحصور » ما عن كثير من المفسّرين من أنّه المبالغ في حبس النفس عن الشهوات والملاهي ، من الحصر بمعنى الحبس ، وحينئذٍ فمدحه عليه السلام بتنكّبه عن الشهوات وإعراضه عن الملاهي واللذّات كما هو المعهود من
هامش
( 1 ) آل عمران : 39 .
( 2 )
( 3 )
( 4 ) ( 2 ) آل عمران : 14 .
( 3 ) النور : 32 .
( 4 ) انظر الوسائل 20 : 13 ، ب 1 من مقدمات النكاح .