تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 631

مساهمون:

ص٦٣١
. . . . . . . . . . . . . . . .
شرح
أوصيت بثلث لزيد وبثلث لعمرو فيكون الثاني ناسخاً للأوّل فيقدّم ، وأولى منه ما لو قال : ثلث مالي ثمّ فرّع عليه : أنّه لو أوصى لزيد بثلث ولعمرو بربع ولخالد بسدس وانتفت القرائن أن يكون الوصية الأخيرة رافعة للأوّل مع اعترافه بأنّه مخالف لما صرّح به جميع الأصحاب والحامل له على ذلك ما فهمه : من أنّ إطلاق الوصية محمول على النافذة » « 1 » . وأنت قد عرفت ممّا حقّقناه سابقاً أنّ الإطلاق في الوصية وغيرها من العقود إنّما يقتضي إرادة معنى ما تعلّق به العقد ، لكن إذا صادف ذلك ما يمكن نفوذه فيه نفذ ؛ لوجود المقتضي وارتفاع المانع وإن لم يصادف ذلك كان عقداً موصوفاً بالصحّة القابلة للنفوذ وعدمه بسبب رفع المانع ، أو تحقّق الشرط الشرعي وعدمهما ، ففي البيع إذا علّقه على النصف من غير تعرّض لكون المستحقّ له ، أو المشاع بينه وبين شريكه اقتضى نقل النصف في نفسه وله محلّ ينفذ فيه باعتبار استحقاق العاقد المخاطب بالوفاء بعقده نصفاً فينفذ ، وينزّل عليه تنزيلًا شرعياً لا قصدياً بمعنى كون العاقد قد قصد ذلك ، وكذا ما نحن فيه فإنّ الموصي إذا أوصى لزيد بثلث لم يقصد إلّاتمليك الثلث في نفسه ، إلّاأنّه لمّا كان يمكن تنفيذه باعتبار استحقاق الموصي ثلثاً نفذت الوصية به ، فإذا أوصى بعد ذلك بثلث أيضاً لم يصادف ذلك محلّاً ينفذ فيه ؛ لسبق السبب الأوّل ، وإنّما صادف محلًا ينفذ فيه مع الإجازة فيتعلّق حينئذٍ كذلك على حسب ما صادف كما هو واضح . ولا يسمّى مثله باطلًا ، بل هو صحيح ، خصوصاً بعد بناء الأصحاب في المقام من كون الإجازة تنفيذاً لا ابتداء عطية كما عرفت ، فتصرّف الموصي حينئذٍ يقع في ماله إلّاأنّه كان متوقّفاً على إجازة الوارث وبها يتمّ تصرّفه في ماله ، لا أنّه يكون التصرّف من الوارث ، فلا دلالة في الوصية الثانية على الرجوع عن الأولى ؛ لعدم التضادّ بينهما ، بخلاف ما لو علّقها بما علّق الأولى ، فإنّه يحصل التضادّ ، فليس إلّاالفسخ والرجوع ويكون الثاني كالوارد على الأوّل فينسخه ؛ ضرورة كونه حينئذٍ كالدليل الوارد على الأصل ؛ إذ لا معارض للثانية إلّااستصحاب صحّة الأولى المعارض بما وقع من نفس الوصية الثانية ، ومن هنا حكمنا بنسخ الأولى للثانية دون العكس ، وكذا لو قال : ثلث لزيد ثمّ قال : ثلثي لعمرو ، فإنّه رجوع بخلاف العكس . وبما ذكرنا يظهر لك الحال فيما ذكره جملة من الأصحاب في المقام ، فإنّه كما في المسالك قد اختلف اختلافاً كثيراً حتى من الرجل الواحد في الكتب المتعدّدة ، بل الكتاب الواحد « 2 » بل فيها : « أنّه اتّفق لشيخ الطائفة غرائب في المسألة حيث قال في الخلاف : إذا أوصى بثلث ماله لإنسان ثمّ أوصى بثلث ماله لغيره ولم يجز الورثة كانت الوصية الثانية رافعة للُاولى ، وناسخة لها - ثمّ استدلّ عليه بإجماع الفرقة وأخبارهم - وبأنّه لو قال العبد الذي أوصيت به لفلان قد أوصيت به لفلان فإنّه يكون رجوعاً عن الأولى ، فكذا إذا أطلق - وادّعى عدم الفرق بين المقيّد والمطلق ، ثمّ قال فيه أيضاً : لو أوصى لشخص بماله ولآخر بثلثه وأجازوا بطل الأخير ، ولو بدأ بالثلث وأجازوا أعطي الأوّل الثلث والأخير الثلثين . وهذا ظاهر المنافاة للسابق الذي ادّعي عليه الإجماع ؛ لأنّ الثلث في المسألة الثانية مضاف إليه ، فهو أقوى في إرادة ثلثه الخاصّ به من ثلث ماله في السابق الذي جعله رجوعاً ، وكون السابق في الثانية جميع ماله لا يؤثّر في دفع المنافاة ؛ لأنّ جميع ماله متضمّن للثلث الذي أوصى به ثانياً ، وما احتجّ به من الأخبار لم نقف عليه أصلًا ، إلّا من حيث عموم ما دلّ منها على جواز الرجوع عن الوصية ، وذلك لا يفيده لمنع تناوله للمتنازع ، وأمّا عدم فرقه
هامش
( 1 ) العبارة بهذه الترتيب مأهوذة من المسالك 6 : 164 . انظر جامع المقاصد 10 : 122 - 123 . ( 2 ) المسالك 6 : 163 .
جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 631 | الشيخ محمد حسن النجفي الجواهري (صاحب الجواهر) / موسسه دائرة المعارف فقه اسلامى بر مذهب اهل بيت ( ع )