. . . . . . . . . . . . . . . .
شرح
ضرورة تجدّد استحقاق الدية من بعد الوصية التي قد صرّحت النصوص « 1 » بإخراجها من ثلثها أيضاً . بل ربّما أشكل بذلك ما سمعته من إطلاق الأصحاب كون العبرة بالثلث عند الوفاة باعتبار تأخّر استحقاقها عن الموت . لكن قد عرفت أنّ إطلاقهم ذلك إنّما هو بالنسبة إلى وقت الوصية بمعنى عدم العبرة بالثلث حاله . على أنّه لمّا كان استحقاق الدية المزبورة مقارناً للموت صدق عليه أنّه من الثلث وقت الوفاة . نعم ذلك كلّه في دية الخطأ التي قد صرّح فيها نصّاً وفتوى ، بل قد يشهد لها الاعتبار مضافاً إلى ذلك ؛ ضرورة كونها عوضاً عن نفسه كالقيمة للتالف ، فتعلّقه بها أشدّ من تعلّق وارثه ، ولذا أدخلها الشارع في أمواله وعلّق بها ديونه ووصاياه . بل ربّما كان ذلك هو الوجه في دية العمد أيضاً ، وإن قلنا : إنّ الواجب به أوّلًا القصاص الذي هو غير قابل لتعلّق الدين والوصية به ، لكن لمّا لم يستوفه الوارث وأراد الصلح بالدية تعلّقت بها الوصايا والديون ؛ لأنّها في الحقيقة أيضاً عوض عن نفس المجني عليه وقيمة له ، فتتعلّق بها الوصايا والديون . مضافاً إلى ترك الاستفصال في خبر عبد الحميد : سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن رجل قتل وعليه دين ولم يترك مالًا وأخذ أهله الدية من قاتله أعليهم أن يقضوا الدين ؟ قال : « نعم ، قلت : وهو لم يترك شيئاً ، قال : أمّا إذا أخذوا الدية فعليهم أن يقضوا الدين » « 2 » . وفي خبر يحيى الأزرق عن أبي الحسن عليه السلام : في رجل قتل وعليه دين ولم يترك مالًا وأخذ أهله الدية من قاتله أعليهم أن يقضوا دينه ؟ قال : « نعم ، قلت : [ و ] هو لم يترك شيئاً ، قال : إنّما أخذوا الدية فعليهم أن يقضوا دينه » « 3 » . بل هو صريح خبر أبي بصير عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام قال : قلت : فإن هو قتل عمداً ، وصالح أولياؤه قاتله على الدية ، فعلى من الدين على أوليائه من الدية أو على إمام المسلمين ؟ فقال : « بل يؤدّوا دينه من ديته التي صالح عليها أولياؤه فإنّه أحقّ بديته من غيره » « 4 » . وهو مع صراحته بوفاء الدين من ديته في العمد فيه رمز إلى ما ذكرناه من الوجه في ذلك .
ومن هنا لم يفرّق المشهور بين الديتين بالنسبة إلى تعلّق الديون والوصايا .
بل قيل : إنّه قد حكي إجماعات على ذلك وأنّه لم يخالف فيه ، إلّاما يوهمه كلام ابن إدريس « 5 » في باب قضاء الدين عن الميّت . وهو اجتهاد في مقابلة النصّ « 6 » نحو ما وقع من بعضهم « 7 » في المقام من الإشكال في ذلك بناءً على ما هو المشهور من أنّ الواجب في العمد القصاص ، لا أحد الأمرين ذلك أو الدية كما عن أبي عليّ والشافعي « 8 » ؛ ضرورة أنّ ذلك كلّه كالاجتهاد في مقابلة النصّ الذي قد عرفت اتّفاق الأصحاب إلّاالنادر على العمل به .
بل تسمع إن شاء اللَّه في باب الديات : أنّ ما يجنى على الميّت بعد موته كما إذا قطع رأسه وهو ميّت فإنّه فيه مئة دينار في حكم ماله ، وأنّه لا تعلّق للوارث به ، بل يخرج عنه في وجوه البرّ ونحوها ممّا يصل إليه ، وأنّه وإن كان عليه دين فهو أولى به .
هامش
( 1 ) انظر الوسائل 19 : 285 ، ب 14 من الوصايا .
( 2 ) التهذيب 6 : 192 ، ح 416 ، الوسائل 18 : 365 ، ب 24 من الدين ، ذيل الحديث 1 .
( 3 ) الوسائل 18 : 364 ، ب 24 من الدين والقرض ، ح 1 ، وفيه : « فأخذ » .
( 4 ) الوسائل 29 : 123 ، ب 59 من القصاص في النفس ، ح 2 ، وفيه : « عن عليّ بن أبي حمزة عن أبي الحسن » .
( 5 ) ( 5 ) السرائر 2 : 49 - 50 .
( 6 ) مفتاح الكرامة 9 : 456 .
( 7 ) انظر كفاية الأحكام 2 : 44 .
( 8 ) نقله عن أبي علي في المختلف 9 : 274 . انظر المجموع 18 : 474 .