فلا ريب [ 1 ] في عدم اعتبار اتّصال قبولها بالوفاة فضلًا عن عدم اعتبار اتّصاله بالإيجاب الذي هو معتبر في غيرها من العقود .
بل الظاهر عدم تسلّط الحاكم على جبره على القبول وعدمه ما لم يستلزم ذلك ضرراً وخصومة وتلفاً للمال باعتبار الاحتياج إليه للنفقة وغيرها ، وإلّا كان له إلزامه في وجه قوي ، بل لو تعذّر إجباره أمكن تولّي الحاكم ذلك ، فتأمّل ، هذا . ثمّ إنّ الظاهر جريان البحث المزبور في إجازة التنجيز بناءً على اعتبار إجازة الوارث في الزائد على الثلث ، فتأمّل [ 2 ] .
( فإن ردّ في حياة الموصي جاز أن يقبل بعد وفاته ؛ إذ لا حكم لذلك الردّ ) [ 3 ] .
شرح
[ 1 ] [ كما ] ولا خلاف يعتدّ به .
[ 2 ] ولمّا كان قول المصنّف : « ما لم يردّ » موهماً لخلاف الواقع فصّله بقوله : [ فان ردّ . . . ] .
[ 3 ] وفاقاً للمشهور ، بل وجهه واضح ، بناءً على أنّ القبول معتبر بعد الوفاة خاصّة ؛ ضرورة كون الوجه فيه أنّ ذلك الوقت محل القبول والردّ ، باعتبار التعليق في الإيجاب عليه ؛ إذ هو يقتضي عدم حصول المقصود منه قبل حصول المعلّق عليه كتعليق الحجّ على الاستطاعة ونحو قول السيّد : اضرب زيداً إن جاء عمرو ، وصلّ الظهر إذا زالت الشمس ونحو ذلك ممّا لا أمر فيه قبل تحقّق المعلّق عليه ، فكذا هنا لا إنشاء تمليك حقيقة إلّابعد الوفاة وصدور العبارة من الموصي حال الحياة للإعلام بإرادة ذلك عند [ تحقّق ] المعلّق عليه وللاكتفاء بها عن تجديد الأمر والإنشاء عنده ، ولعلّه لذا اعتبر في القبول كونه بعد الوفاة كالردّ ؛ ضرورة عدم حصول متعلّقهما قبلها . وإن كان منع ذلك كلّه واضحاً ؛ لمعلوميّة تحقّق الإنشاء بصدور الإيجاب ، والتعليق إنّما هو لحصول الأثر لا للإنشاء المقتضي لذلك ، والأوامر المعلّقة يتحقّق معنى الأمر فيها بصدورها ، ولذا يتحقّق وصف المطيع والعاصي بالعزم على امتثالها وعدمه قبل حصول المعلّق عليه . بل لعلّ التأمّل يشرف الفقيه على القطع بعدم إرادة تعليق معنى الأمرية فيها على معنى أن يكون مأموراً عند حصول المعلّق عليه مع أنّه لم يتجدّد أمر غير ذلك ، فيرجع إلى صيرورته مأموراً بلا أمر وهو معلوم الفساد . ومن هنا اتّجه صحّة القبول قبل حصول المعلّق عليه ؛ لتحقّق المعنى الانشائي القابل للقبول ، ولا يستلزم ذلك قبول الردّ ، لعدم الدليل على بطلان حكم الإنشاء بقوله : لم أقبله مثلًا في مثل المقام ، بل وفي غيره حتى العقود اللازمة إذا كان قد وقع على وجه لم يقدح باتّصال قبولها به .
اللهمّ إلّاأن يكون إجماعاً فيقتصر عليه كالاقتصار هنا له أيضاً على تأثيره بعد الموت دون الحياة . ومن ذلك بان الوجه في عدم اعتباره على التقديرين . لكن ومع ذلك فالإنصاف يقتضي عدم الفرق بينه وبين القبول بالنسبة إلى تحقّق المعنى المقابل لتعلّقهما به .
ولعلّ شهرة الأصحاب هنا غير معتدّ بها بعد أن علم أنّ المدرك فيها عدم حصول ما يقبل الردّ لتعليق الأثر على الموت الذي قد فرض عدم تحقّقه فيكون كالطلاق قبل النكاح الذي صحّحه أبو حنيفة « 1 » ، لما عرفت من بطلانه بتحقّق المعنى القابل للقبول والردّ هنا ، ويمكن أن لا يكون مدركهم ذلك ، وإن ذكره بعض « 2 » المتأخّرين لهم . ولذا كان خيرة المصنّف جواز القبول حال الحياة وعدم الحكم للردّ فيها . ولعلّه لما أشرنا إليه من عدم دليل يصلح لقطع استصحاب صحّة الإيجاب بذلك لا لما ذكروه .
هامش
( 1 ) انظر المبسوط 5 : 126 ، 135 و 6 : 98 و . . . حيث صرّح ببطلان ذلك .
( 2 ) انظر مفتاح الكرامة 9 : 368 - 369 .