ويقبل قول كلّ من الواهب والمتّهب في تشخيص القصد ، فلو خالفه الآخر قدّم بيمينه [ 1 ] . هذا كلّه في هبة غير المقبوض للموهوب له . ( و ) أمّا ( لو وهب ما هو في يد الموهوب له صحّ ولم يفتقر إلى إذن الواهب في القبض ولا أن يمضي زمان يمكن فيه القبض ) [ 2 ] . نعم ( ربّما صار إلى ذلك بعض ) من تقدّمه من ( الأصحاب ) [ 3 ] .
شرح
[ 1 ] لأنّه أعلم بقصده .
[ 2 ] بلا خلاف أجده بين من تأخّر عن المصنّف ( و ) لا إشكال .
[ 3 ] كالشيخ رحمه الله ويحيى بن سعيد فاعتبرا الإذن في القبض ، ولو من إقراره له ومضي زمان يمكن فيه القبض . قال أوّلهما في المحكيّ عن مبسوطه : « إذا وهب له شيئاً في يده مثل أن يكون في يده وديعة فيهبها له نظر ، فإن أذن له في القبض ومضى بعد ذلك زمان يمكن القبض فيه لزم العقد . وإن لم يأذن له في القبض فهل يلزم القبض بمضي الزمان الذي يمكن فيه القبض أو لا بدّ من الإذن في القبض ؟ . . . الأقوى أنّه لا يفتقر إلى الإذن في القبض ؛ لأنّ إقرار يده عليه بعد العقد دليل على رضاه بالقبض » « 1 » . وثانيهما في المحكيّ عن جامعه : « إذا أذن له في قبضه ومضى زمان يمكن فيه القبض صحّت الهبة » « 2 » . وفيه : منع تناول دليل الشرطية لمثل الفرض فيبقى أصالة استقلال العقد بتسبيب الملك بحاله ، وإلّا لوجب إرجاعه ، ثمّ قبضه جديداً لتحقّق صدق القبض للهبة حينئذٍ حقيقة ، فإنّ استدامة القبض ولو مع الإذن ومضي الزمان ليست قبضاً حقيقة . ولو سلّم فيكفي الإذن ، ولا يحتاج إلى مضيّ زمان قطعاً . ووجّهه في المسالك : « بأنّ إقرار يده عليه بعد العقد دليل على رضاه بالقبض ، فيكون ذلك كتجديد الإقباض فيعتبر مضيّ زمان يمكن فيه القبض . كما لو لم يكن مقبوضاً بيده فأقبضه إيّاه فإنّه يعتبر مضيّ زمان يكون فيه القبض فكذا هنا » « 3 » . ثمّ أجاب عنه [ في المسالك ] بما حاصله : إنّ إيجاب العقد وإقرار يده على العين بعده دليل على رضاه بقبضه لها وليس هو إقباضاً ، بل هو متحقّق قبله ، وإنّما هو علامة وأمارة على رضاه بالقبض السابق وينزّله منزلة الإقباض « 4 » . وفيه : ما لا يخفى عليك بعد الإحاطة بما ذكرناه من عدم الدليل على الشرطية في الفرض ، وعلى تقديره فالمتّجه عوده ثمّ قبضه ولو سلم كفاية الإذن في الاستدامة في تحقق مسمّاه ، فيمكن منع دلالة الإيجاب والإقرار على مقتضى القبض السابق على ذلك ، وإلّا لاتّجه كلام أبي حنيفة المتقدّم سابقاً . على أنّه لا يتمّ فيما لو فرض خلو الواهب عن ذلك المشمول لإطلاق المصنّف وغيره . ومن هنا ناقش في الرياض في أصل الدليل بعد أن حكاه عنهم « بأنّ دعوى حصول القبض المشترط أوّل البحث ؛ لعدم عموم يدلّ على كفاية مطلقه لا من إجماع ولا من غيره للخلاف ، وظهور النصوص المشترطة له بحكم التبادر في القبض بعد العقد فاللازم في غيره الرجوع إلى حكم الأصل الدالّ على عدم الصحّة أو اللزوم إلى أن يتحقّق القبض المتيقّن إيجابه لهما ، وليس إلّاالمجمع عليه وهو القبض الخاصّ به أو المأذون فيه ثانياً للهبة . ولعلّه لذا اعتبر بعض الأصحاب ما أسقطه الأكثر وهو أظهر إن لم يكن إجماع المتأخّرين على خلافه انعقد » إلى أن قال : « ويحتمل قوياً المصير إلى مختار الأكثر لما مرّ في الوقف ، وسيأتي في هذا البحث من الاكتفاء بقبض الولي الواهب مع سبقه على العقد ؛ للنصوص الدالّة عليه ، المعلّلة بعضها له بحصول القبض من دون أن يذكر فيها ما مرّ من القيود . وهذا التعليل جار في المفروض ، والعلّة المنصوصة يتعدّى إلى غير المورد كما تقرّر في الأصول » « 5 » . وإن كان فيه مواضع للنظر لمن أحرز ما قدّمناه في الوقف وفي المقام وما يأتي . وقد تقدّم نظير هذه المسألة في الرهن وفي الوقف فلاحظ وتأمّل كي تعرف الحال في القبض الغصبي أيضاً .
هامش
( 1 ) المبسوط 3 : 305 . الجامع للشرائع : 365 .
( 2 ) المبسوط 3 : 305 . الجامع للشرائع : 365 .
( 3 ) المسالك 6 : 23 . الرياض 9 : 382 - 383 .
( 4 ) المسالك 6 : 23 . الرياض 9 : 382 - 383 .
( 5 ) المسالك 6 : 23 . الرياض 9 : 382 - 383 .