تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 505

مساهمون:

ص٥٠٥
[ وأمّا ما يقع بين الناس على وجه الهدنة من غير لفظ يدلّ على إيجابها وقبولها فقد عرفت القول بمشروعية
شرح
بعباراتهم » « 1 » . ثمّ قال : « ومنهم من اعتبرهما كما في الهبة [ والوصية ] ، واعتذروا عمّا تقدّم بأنّ ذلك إباحة لا تمليك . وأجيب بأنّه لو كان كذلك لما تصرّفوا فيه تصرّف الملّاك ، ومعلوم أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتصرّف فيه ويملّكه غيره ويمكن الاكتفاء في هدايا الأطعمة بالإرسال والأخذ ، جرياً على العادة بين الناس » إلى أن قال : « والتحقيق مساواة غير الأطعمة لها ، فإنّ الهديّة قد تكون غير طعام فانّه قد اشتهر هدايا الثياب والدواب من الملوك إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم فإنّ مارية القبطيّة امّ ولده كانت من الهدايا » « 2 » . وفي جامع المقاصد : أنّه قوي متين « 3 » . وفي المسالك : « هو حسن » « 4 » . لكن قال : « ومع ذلك يمكن أن يجعل ذلك كالمعاطاة يفيد الملك المتزلزل ويبيح التصرّف والوطء ، ولكن يجوز الرجوع فيها قبله ، عملًا بالقواعد المختلفة وهي أصالة عدم اللزوم مع عدم تحقّق عقد يجب الوفاء به ، وثبوت جواز التصرّف فيها ، بل وقوعه ، ووقوع ما ينافي الإباحة وهو الوطء وإعطاؤه الغير ، فقد وقع ذلك للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في مارية امّ ولده وقد كان يهدى إليه الشيء فيهديه لزوجاته وغيرهم « 5 » . واهدي إليه حلّة فأهداها لعليّ عليه السلام « 6 » من غير أن ينقل عنه قبول لفظي ، ولا عن الرسل إيجاب كذلك مقارن له . وهذا كلّه يدلّ على استفادة الملك في الجملة لا الإباحة . ولا ينافي جواز الرجوع بها ما دامت العين باقية » « 7 » . قلت : قد عرفت القول بمشروعية المعاطاة في الهبة وغيرها من العقود ، إلّاما خرج فضلًا عن الهدية ، وأنّها تفيد مفاد العقد في الملك لاندراجها في الاسم وإن لم تكن عقداً . إلّاأنّهم اعتبروا فيها جميع ما يعتبر في العقد سوى اللفظ ، وحينئذٍ يشكل في الفرض دعوى كونها منها ؛ ضرورة عدم المقارنة بين الفعلين المنزّلين منزلة الإيجاب والقبول المقصود بهما الإنشاء . نعم بناءً على التوسّع بالنسبة إلى ذلك في المعاطاة فيتّجه كونها حينئذٍ منها ، بل وكذا في معاطاة كلّ عقد . أمّا على عدمه فلا محيص حينئذٍ عن دعوى مشروعيّته قسماً آخر من الهدية مثلًا مستقلّاً برأسه ، خارجاً عن العقد والمعاطاة لمكان السيرة القطعية التي هي الأصل في مشروعية المعاطاة ، فالفرض مثلها حينئذٍ . ولعلّه أومأ إليه بقوله : كالمعاطاة ، بل ينبغي التزامه في غير المقام ، حتى البيع وشبهه ، بناءً على اندراج هذا القسم وإن لم يكن معاطاة في اسمه . وأمّا إذا فرض مشروعيته بالسيرة وعدم اندراجه في الاسم فلابدّ من القول باستقلاله بنفسه وإن شابه معاطاة كلّ عقد في المفاد ولزومه وجوازه يتبع الأدلّة من استصحاب الملك ونحوه . إنّما الكلام في أصل مشروعيّته وترتّب الأثر عليه من الملك وغيره فهو كذلك في الهدية وغيرها . ومن الغريب ما في ظاهر الرياض من عدم مشروعيّة المعاطاة في الهبة ؛ لشبهة الاتّفاق المزبور ، ومشروعيّتها في خصوص الهديّة « 8 » ؛ لما عرفت . وكأنّه لم يسرّح نظره في أطراف المسألة ، بل اقتصر على بعض الكلمات الموهمة لذلك في المقام ، وفي غيره فلاحظ وتأمّل ، واللَّه العالم .
هامش
( 1 ) التذكرة 2 : 415 ( حجرية ) . ( 2 ) الذكرة 2 : 415 ( حجرية ) . ( 3 ) جامع المقاصد 9 : 142 . ( 4 ) المسالك 6 : 11 . ( 5 ) انظر السيرة النبوية ( لابن كثير ) 3 : 515 ، دلائل النبوة ( للبيهقي ) 4 : 395 . ( 6 ) مسند أحمد 2 : 146 . ( 7 ) المسالك 6 : 11 - 12 . ( 8 ) الرياض 9 : 376 .