[ ولا فرق بين الجهل والعلم بفساد الإجارة في عدم كونها هبة أو غيرها ] .
شرح
مضافاً إلى مثل ذلك بالنسبة إلى قاعدة « ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده » الشاملة للمقام . وإلى قاعدة « احترام مال المسلم وعمله » . وقاعدة « من أتلف » « 1 » ، و « على اليد » « 2 » ، و « لا ضرر » « 3 » ، ولا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ« 4 » .
ونحو ذلك ممّا يقضي بذلك ؛ ضرورة أنّه مع بطلان العقد يبقى كلّ من العوضين على ملك صاحبه ، فيجب على كلّ منهما ردّه بعينه إذا كان موجوداً ، وإن كان تالفاً بقيمته أو مثله ؛ لفساد الالتزام بالمسمّى بفساد العقد الذي قد وقع فيه ، ومنه أجرة المثل في المقام فإنّها هي قيمة المنفعة المستوفاة . ومن ذلك كلّه ظهر لك الوجه في الحكم المزبور .
نعم قيّده الشهيد في المحكي من حواشيه بما إذا لم يكن الفساد باشتراط عدم الأجرة في العقد ، أو عدم ذكرها فيه ؛ لدخول العامل على ذلك « 5 » . واستحسنه في المسالك « 6 » .
وكأنّ وجهه أنّه متبرّع بالمال والعمل مجّاناً قادم على ذلك ، فهو أشبه شيء حينئذٍ بالعقود الفاسدة المجانية ، كالهبة والعارية ونحوهما « ممّا لا يضمن بفاسدهما ، فلا يضمن بصحيحهما » .
بل قد يقال بشمول هذه القاعدة للفرض ، بناء على إرادة أشخاص العقود منها لا أصنافها .
ولا ريب في عدم الضمان في المقام لو فرض صحّة العقد المزبور ، فكذا لا يضمن به على الفساد ؛ للقاعدة المزبورة التي عرفت أنّ الوجه فيها إقدامهما على عدم الضمان في التقديرين ، كما أنّك قد عرفت تقريره حينئذٍ هنا .
لكن مع ذلك كلّه في جامع المقاصد بعد أن حكاه : أنّه صحيح في العمل أمّا مثل سكنى الدار التي يستوفيها المستأجر بنفسه فإنّ اشتراط عدم العوض إنّما كان في العقد الفاسد الذي لا أثر لما تضمنه من التراضي ، فحقه وجوب أجرة المثل ، ومثله ما لو باعه على أن لا ثمن له ، وأمّا لو كان مورد الإجارة منفعة الأجير ، فيعمل بنفسه مع فسادها فوجه عدم استحقاقه شيئاً ظاهر ؛ لأنّه متبرّع بالعمل ، وهو المباشر لإتلاف المنفعة « 7 » .
ودفعه في المسالك بما حاصله : من أنّه يرجع في مثل سكنى الدار إلى العارية ، وإن عبّر عنها بلفظ الإجارة ؛ لأنّ التصريح بعدم الأجرة أقوى من الظهور المستفاد من لفظ « الإجارة » ، والنصّ مقدّم على الظاهر ، فيحكم بأنّه عارية ؛ إذ هي لا تنحصر في لفظ ، بل يكفي فيها كلّ ما دلّ على التبرّع بالمنفعة ، مضافاً إلى اعتضاد ذلك بأصل البراءة .
بل فيها الاعتراض على ما ذكره أخيراً : « بأنّه قد لا يكون متبرّعاً ، كما لو أمره المستأجر ، فإنّ مقتضى الفساد عدم تأثير ما وقع من اللفظ ، وحينئذٍ فلا يتحقق التبرّع إلّامع عمل الأجير من غير سؤال ، وإلّا فينبغي مع عدم ذكر الأجرة ثبوت أجرة المثل كما هو شأن الآمر لغيره بعمل من غير عقد » . ثمّ قال : « فإن قلت : أيّ فائدة في تسمية هذا عقداً فاسداً مع ثبوت هذه الأحكام وإقامته مقام العارية ؟ قلت : فساده بالنسبة إلى الإجارة بمعنى عدم ترتّب أحكامها اللازمة لصحيح عقدها ، كوجوب العمل على الأجير ونحوه ، لا مطلق الأثر » « 8 » .
هامش
( 1 ) انظر الوسائل 27 : 327 ، ب 11 من الشهادات .
( 2 ) المستدرك 14 : 8 ، ب 1 من الوديعة ، ح 12 .
( 3 ) الوسائل 18 : 32 ، ب 17 من الخيار ، ح 3 - 5 .
( 4 ) النساء : 29 .
( 5 ) نقله في جامع المقاصد 7 : 120 .
( 6 ) المسالك 5 : 184 - 185 .
( 7 ) جامع المقاصد 7 : 120 - 121 .
( 8 ) المسالك 5 : 184 - 185 .