. . . . . . . . . . . . . . . .
شرح
المعاوضة على المنافع غير كاف ؛ ضرورة عدم تصوّر التسليم فيها بغير الإكمال بناءً على أنّها نفس الأعمال ، وإنّما يتصوّر التسليم في الصفات التي تتولّد من الأفعال في الأعيان ، بتسليم العين الموصوفة .
نعم يرد على ذلك ما سمعته سابقاً من كون التحقيق أنّ المملوك بالإجارة والذي قوبل بالمال الأعمال التي يتولّد منها الصفات ، لا الصفات والأعمال مقدّمة من العامل إلى تحصيلها ، حتى تكون هي العوض والمعوّض ، فيجري عليها حكم التقابض والحبس .
ومن الغريب أنّ المحقق الثاني أنكر البناء المزبور عليه ، وقرّره هو في تلف العين من العامل بعد العمل من غير تفريط بالنسبة إلى استحقاق الأجرة وعدمها ، فإنّه قال أوّلًا في وجه إشكال الفاضل في ذلك : أنّه « ينشأ : من أنّ الإجارة معاوضة ، وحقّ المعاوضة حصول العوضين معاً للمتعاوضين ؛ لتحقق كون كلّ منهما في مقابلة الآخر وقد انتفى ذلك في أحدهما فانتفت المقابلة ، فوجب الانفساخ لتعذّر مقتضى العقد . ومن أنّ المستأجر عليه وهو العمل قد حصل ، فوجبت الأجرة بفعله ، فإذا تلف بتلف العين بغير تفريط كان تلفه من المالك . ويضعّف بأنّ المستأجر عليه وإن كان العمل ، لكنّه قوبل بالأجرة على طريق المعاوضة ، فما دام لا يتحقق بتسليمه لم يتحقق معنى المعاوضة » .
ثمّ قال ثانياً : « وربّما بني ذلك على أنّ القصارة عين أو أثر ، فإن قلنا : إنّها عين سقطت اجرته ، كما يسقط الثمن بتلف المبيع قبل القبض ، وإن قلنا : هي أثر لم تسقط الأجرة . وتنقيحه أنّ القصارة إن كانت كالأموال في أنّها تعدّ مالًا فالحكم الأوّل ، وإن كانت لا تعدّ مالًا وإنّما هي صفة فالحكم الثاني ، وقد سبق في الفلس أنّ المنافع تعدّ أموالًا . ويشهد له أنّها تقابل بالمال ، ويعتبر فيالمعاملة وجريان المعاوضة عليها كونها متقوّمة في نفسها ، ولا معنى لماليّتها إلّاهذا » « 1 » .
قلت : هو بعينه ما ذكره الشهيد هنا ، لكن قد يقال : إنّه لا مدخلية لذلك فيما نحن فيه ؛ إذ الكلام في أنّ المقابل بالأجرة والمملوك بعقد الإجارة العمل الذي ينعدم شيئاً فشيئاً ، أو الصفة التي تتولّد منه ، فإن كان الأوّل فليس تسليمه إلّاإيقاعه ، وإن كان الثاني فتسليمه كتسليم المبيع ، ويجري عليه حكمه من الحبس وغيره ممّا يجري في سائر المعاوضات .
كما أنّه قد يناقش فيما ذكره أوّلًا بأنّه لا ريب في أنّ انفساخ العقد بالتلف من غير تفريط مناف لقاعدة اللزوم وغيرها ، وإنّما ثبت ذلك بقوله : « كلّ مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه » « 2 » لا أنّه استفيد من قاعدة المعاوضة ، وإلّا لتعدّى ذلك للصلح ونحوه ، ولمطلق التلف ولو من أجنبي ، وغير ذلك ممّا هو معلوم عدمه .
والتقابض في المعاوضة إنّما هو مع إمكانه بوجود العين ، أمّا مع تلفها فلا ، والفرض أنّها أمانة في يده . على أنّه لو سلّم اقتضاؤها ذلك حتى في صورة التلف كان المتّجه ضمانه عليه إلى أن يسلّمه ، فيغرم المثل أو القيمة حينئذٍ مع التلف ، ولو بغير تفريط ، لا انفساخ العقد . فلا ريب في أنّ منشأ ذلك الدليل الخاصّ الذي هو غير شامل للمقام قطعاً ، ولا إجماع على المساواة ، فالقاعدة تقتضي حينئذٍ عدم سقوط الأجرة ؛ للأصل وغيره كما هو واضح .
هامش
( 1 ) جامع المقاصد 7 : 275 - 276 .
( 2 ) انظر الوسائل 18 : 23 ، ب 10 من الخيار . و 17 : 365 ، ب 19 من عقد البيع وشروطه .