هذا كلّه بعد العمل ، أمّا قبل العمل فقد عرفت [ المختار ] [ 1 ] عدم استحقاق العامل الأجرة على وجه يجب على المستأجر بذلها له ، وتسليمه إيّاها مع عدم الشرط والعادة [ 2 ] .
لكن هل يجب على العامل العمل حينئذٍ ثمّ يطالب بالأجرة بعده أو أنّ له الامتناع أيضاً ؟ [ 3 ]
الظاهر الثاني ، ولكن لمّا لم يمكن التقابض هنا لم يتجه جبر الحاكم لهما عليه جمعاً بين الحقين كما [ هو متجه ] في العينين فيتعيّن جمعه بينهما بتسلّم الأجرة من صاحبها ووضعها في يده أو في يد ثالث حتى يعمل العامل [ 4 ] .
شرح
[ 1 ] [ لقيام ] الإجماع على [ ذلك ] .
[ 2 ] مضافاً إلى [ ورود ] الضرر عليه بتعجيل الأجرة على العمل الذي لم يعلم حصوله .
[ 3 ] لاحتمال الضرر عليه بحصول العمل منه وعدم تسلّم الأجرة .
[ 4 ] وربّما كان في خبر الغنوي عن أبي عبداللَّه عليه السلام إشارة إليه في الجملة قال : سألته عن رجل استأجر أجيراً ولم يأمن أحدهما صاحبه ودفع الأجر على يدي رجل وهلك ذلك الرجل ولم يدع وفاءً واستهلك ذلك الأجر ؟ فقال عليه السلام : « المستأجر ضامن لأجر الأجير حتى يقضي ، إلّاأن يكون الأجير دعاه إلى ذلك فرضي به ، فإن فعل فحقه حيث وضعه ورضي به » « 1 » . باعتبار عدم تعرّضه عليه السلام ؛ لعدم جواز امتناع الأجير عن العمل ، إذا لم يبذل المستأجر الأجرة ولو على يد ثالث . على أنّ ذلك مقتضى المعاوضة ؛ إذ كما أنّ احتمال الضرر على المستأجر بتعجيل الأجرة لاحتمال عدم حصول العمل ، فكذلك يحتمل أيضاً بتعجيل العامل العمل قبل قبض الأجرة ؛ لاحتمال عدم حصولها . ودعوى أنّ بناء المعاوضة على العمل على ذلك [ / على تعجيل العمل قبل قبض الأجرة ] .
يدفعها وضوح منعها ، بل ليس ذلك أولى من العكس ؛ ضرورة أنّ الأجرة قد استحقت بالعقد ، وملكها الأجير به ، ويمكن تسليمها له دفعة ، والعمل تدريجي لا يمكن حصوله إلّابعد زمان . كما أنّ دعوى الإجماع على خروج ذلك عن حكم المعاوضات - فيجب على العامل أن يعمل ، ثمّ بعد ذلك يطالب بالأجرة ، وهو معنى قولهم : إنّ الأجير يستحقّ الأجرة بعد العمل - واضحة المنع ؛ إذ ليس في كلام الأصحاب ما يقتضي إخراج الفرض عن حكم المعاوضة بالنسبة إلى ذلك . بل في جامع المقاصد والتنقيح والمسالك والرياض وغيرها ما ينافيه ، وأنّ حكمه حكم باقي المعاوضات « 2 » ، وعليه فرّعوا جواز الحبس وغيره . وليس ذكرهم للعبارة المزبورة إلّاكذكرهم ذلك بالنسبة للعين ، فإنّهم قالوا أيضاً : لا يستحقّ مؤجرها الأجرة إلّابتسليمها للمستأجر ، وغرضهم من ذلك عدم استحقاق الأجرة قبل العمل الذي لا يتصوّر فيه التقابض على نحو العينين . وبيان الاستحقاق بالتسليم كما في كلّ معاوضة ، فإنّه يجب بذل العوض بعد تسلّم المقابل بلا خلاف ولا إشكال . ومن هنا لم يفرّقوا بين العمل والعين بالنسبة إلى ذلك ، كما في الرياض ناسباً له إليهم « 3 » . ولا ريب في بقاء حكم المعاوضة بالنسبة إلى الأوّل ، فكذلك بالنسبة إلى الثاني ولم يشر أحد إلى خروج الأعمال عن قاعدة المعاوضات بوجوب تسليم العامل عمله أوّلًا ، ثمّ يطالب بالأجرة ، ومن تأمّل كلامهم ولم يكتف بالمنساق في بادئ النظر علمما قلناه ، خصوصاً مع عدم الدليل عليه أيضاً . وقوله عليه السلام : « لا يجفّ عرقه حتى تعطيه اجرته » « 4 » إنّما يدلّ على المبادرة في تسليم الأجرة للعامل ، إذا عمل أوّلًا ، لا على وجوب ذلك عليه مطلقاً .
هامش
( 1 ) الوسائل 19 : 109 ، ب 6 من الإجارة ، ح 1 .
( 2 ) جامع المقاصد 7 : 112 . التنقيح 2 : 262 . المسالك 5 : 183 . الرياض 9 : 203 .
( 3 ) الرياض 9 : 203 .
( 4 ) الوسائل 19 : 106 ، ب 4 من الإجارة ، ح 1 .