ولعلّ الأقوى صيرورتها ملكاً للأوّل على كلّ حال بالتخلّل [ 1 ] . وحينئذٍ فلا فرق بين المحترمة وغيرها ، وبين المأخوذة قهراً من يده إذا فرض تخلّلها وغيرها [ 2 ] . نعم ليس ( كذا ) لك ( لو جمع ) جامع ( خمراً مراقاً ) فتخلّلت في يده ؛ إذ الظاهر كونها ملكاً للثاني [ 3 ] دون الأوّل لإسقاط حقّ أولويّته منها بالإراقة الظاهرة في الإعراض الذي يزيل حكم الملك الذي هو أقوى من الحق المزبور [ 4 ] .
شرح
[ 1 ] للأولويّة التي مبناها حصول المانع للسبب في بعض الأزمنة فيبقى الباقي على مقتضى عمله فيه نحو ما سمعته في العصير المرهون المنقلب خمراً ثمّ خلّاً ؛ ضرورة كون الجميع من وادٍ واحد ، فإنّ السبب الذي اقتضى الملك قبل الخمريّة باقٍ على حسب استعداده ، وإنّما منعه حال الخمريّة ما دامت باعتبار ما دلّ على عدم ملكها الذي لا يقتضي بطلان أصل السبب بل أقصاه بطلان أثره ما دام المانع فإذا زال عمل المقتضي مقتضاه . ومن هنا لم يشترط في ملكيّة الأوّل حصول يده عليه ؛ لأنّ المملّك له هو السبب الأوّل لا يده .
[ 2 ] ويؤيّد ذلك ما تسمعه إن شاء اللَّه من عدم الخلاف في أنّه لو غصب عصيراً فصار خمراً في يد الغاصب ثمّ صار خلّاً يعود على ملك الأوّل ، وليس إلّالما ذكرناه . ومنه يعلم الوجه فيما ذكره في التذكرة « 1 » أوّلًا ، فإنّه لمّا صار خمراً في يد البائع لم يبطل أصل السبب بل بطل حكمه في آن الخمريّة نحو ما سمعته في الرهانة وفي إسلام أحد الزوجين ، فلمّا زال المانع عمل السبب عمله . وأمّا احتمال أنّه من التلف قبل القبض فيدفعه منع كونه تلفاً حقيقة ، بل ولا حكماً بعد فرض العود إلى الخلية . وبذلك يظهر الفرق بين حالي الابتداء والاستدامة ؛ ضرورة مشروعيّة المانع في الثاني في إسلام أحد الزوجين والارتداد ونحوهما ، بخلاف الأوّل فلا يجوز العقد على الخمر ابتداءً مراعياً في صحّته صيرورته خلّاً ؛ ضرورة كونه كتعليق السبب المعلوم بطلانه . فاتّضح أنّ صحّة مانع الاستدامة لا يستلزم الصحّة في الابتداء ، كما أنّه اتّضح بهذا التحقيق ما في جملة من الكلمات التي هي غير محرّرة ( و ) لا منقّحة حتى ما في المتن .
[ 3 ] بلا خلاف أجده فيه بين من تعرّض له .
[ 4 ] ولا يقدح حرمة الجمع على الجامع ؛ إذ ليس حكمنا بملكه للجمع المزبور ، بل لا ستيلائه على العين حال التخليل الذي صارت به مالًا بلا مالك لتكون كالمباحات ، مع أنّ الظاهر عدم الحرمة لو أراد الجمع للتخليل ، فإنّ الظاهر صحّة إبقائها وحفظها لذلك ، ومن ثمّ سمّيت محترمة أي يحرم غصبها وإتلافها على من في يده . بل في المسالك : « لولا احترامها لأدّى ذلك إلى تعذّر اتخاذ الخلّ ؛ لأنّ العصير لا ينقلب إلى الحموضة إلّابتوسّط الشدّة » « 2 » ، ونحوه في جامع المقاصد والتذكرة « 3 » ، قال في الأخير :
« الخمر قسمان ، محترمة : وهي التي اتّخذ عصيرها ليصير خلّاً ، وإنّما كانت محترمة لأنّ اتّخاذ الخلّ جائز إجماعاً ، والعصير لا ينقلب إلى الحموضة إلّابتوسّط الشدّة ، فلو لم تحترم وأريقت في تلك الحال لتعذّر اتّخاذ الخلّ ، والثاني : غير محترمة : وهي التي اتّخذ عصيرها لغرض الخمرية » . وقد استفاد بعض مشايخنا من هذه العبارات أنّه لابدّ من سبق الخمريّة للخلّ في عصير التمر وغيره ، بل قال : ليس المراد من العصير ما استخرج ماؤه بالعصر « 4 » ، بل هو أعمّ منه ، فحينئذٍ ما يستعمله الناس من خلّ التمر والزبيب لا يجوز استعماله إذا اشتدّ قبل الحموضة ، ولنا معه بحث ذكرناه في غير المقام . وعلى كلّ حال فما يظهر من المصنّف من التردّد في كون المفروض ملكاً للجامع في غير محلّه ، كالإشكال عن التحرير أوّلًا « 5 » . وقد بان من ذلك كلّه الفرق بين الجامع والغاصب ، فيملك في الأوّل دون الثاني على الأصحّ .
هامش
( 1 و 2 ) التذكرة 13 : 145 . المسالك 4 : 70 . التحرير 2 : 468 .
( 3 و 4 ) جامع المقاصد 5 : 63 . التذكرة 13 : 137 . مفتاح الكرامة 5 : 96 .
( 5 ) التذكرة 13 : 145 . المسالك 4 : 70 . التحرير 2 : 468 .