فعلى هذا النهي والأمر الواقعان في العبارة قد يكونان على وجه المنع واللزوم ، كما إذا استلزم الاستقصاء عزّة الوجود ، وقد يكونان على وجه نفي اللزوم والجواز كما إذا لم يستلزم ذلك [ 1 ] .
والأمر في ذلك سهل بعد وضوح كون المراد على كلّ حال بيان جواز السلم في غير عزيز الوجود والمنع فيه [ 2 ] .
شرح
[ 1 ] ومن هنا قيل : « إنّها أحسن من عبارة القواعد حيث يجوّز ، فجمع بين الفردين المختلفين في الصحّة وعدمها ، فقال [ العلّامة ] : « ولا يجب في الأوصاف الاستقصاء لعسر الوجود » ، إذ التعليل بعسر الوجود ؛ لعدم الجواز ، لا لعدم الوجوب ، كما قد عرفت » « 1 » .
ويمكن أن يراد ممّا في المتن أنّه لا يجب أن يطلب في الوصف الغاية ، بل يقتصر على ما يتناوله اسم الوصف ، فيكتفى حينئذٍ في وصف الحنطة مثلًا بالحمراء ، ولا يطلب الغاية في الاحمرار . وهو وإن كان ألصق بقوله : « بل يقتصر » إلى آخره .
لكنّه فيه أوّلًا : أنّه لا يجوز الاقتصار على اسم الوصف مع فرض اختلاف أفراده بما لا يتسامح فيه ، ويؤدّي تركه إلى الجهالة .
وثانياً : لا تكون العبارة عامّة للمعروف بين الأصحاب هنا النص عليه من المبالغة في كثرة الأوصاف . فلا ريب في أنّ حمل العبارة على الأوّل الذي هو أعم من ذلك أولى . ولا ينافيه الإضراب بناءً على ما عرفت .
نعم لولاه [ أي الأول ] لأمكن حمل النهي في العبارة على حقيقته ، على معنى أنّه لا يفعل ذلك بحيث يؤدي إلى عزّة الوجود لبطلان السلم فيه حينئذٍ ؛ لما ستعرف من اشتراط كون وجوده غالباً ، مع احتمال أن يقال فيه : إنّ المراد من الأمر بالاقتصار بيان ابتداء الرخصة في جواز ذلك حتى ينتهي إلى الوصف المؤدّي إلى عزّة الوجود .
[ 2 ] بل قيل : إنّه لا خلاف فيه « 2 » ، بل ربّما ادعي الإجماع عليه ، بل قيل : إنّه الدليل له ، مضافاً إلى التعليل بأنّ عقد السلف مبني على الغرر ؛ لأنّه بيع ما ليس بمرئي ، فإذا كان عزيز الوجود كان مع الغرر مؤدّياً إلى التنازع والفسخ فكان منافياً للمطلوب من السلف « 3 » . وإن كان هو كما ترى . وعن الايضاح توجيهه « بأنّه لمّا جلّ جناب الحقّ جلّ شأنه عن التكليف بما لا يطاق ، واقتضتحكمته البالغة عدم خرق العادات غالباً بمجرّد ما يرد على العبد من متناقض الإرادات أبطل السلم فيما يؤدّي إلى أحدهما قطعاً وما تجدّد أداؤه تجدّد بطلانه » .
قال : « فظهر من ذلك أنّ ما يعزّ وجوده لا يصلح السلم فيه وبقى مالا يعزّ ، لكن وجوده أقلّ في الأغلب لاستقصاء الصفات ، والأقرب فيه الصحة ؛ لعدم استلزامه المحال ، مع إمكانه في نفسه وجواز ثبوته في الذمة ، ولوجود المقتضي ، وهو عقد البيع وانتفاء المانع ، وهو عزّة الوجود » « 4 » .
وفي التذكرة : « قد بيّنّا أنّ الاستقصاء في ذكر الأوصاف المخرج إلى عزّة الوجود وعسر التحصيل مبطل للسلم ؛ لما فيه من تعذّر التسليم الذي هو مانع من صحّة البيع » إلى أن قال : « والضابط عزّة الوجود وتعذّره يبطل معه ، ويصحّ بدونه » « 5 » .
هامش
( 1 ) المسالك 3 : 407 - 408 .
( 2 ) الرياض 8 : 437 .
( 3 ) مفتاح الكرامة 4 : 443 .
( 4 ) الايضاح 1 : 460 .
( 5 ) التذكرة 11 : 284 .