نعم إذا كان الأبعد أشدّ خطراً وأكثر ضرراً بُدئ به [ 1 ] أو كان الأقرب مهادناً [ 2 ] ، أو منع من مقاتلة الأقرب مانع . وبالجملة ينبغي مراعاة المصلحة في ذلك ، وهي مختلفة باختلاف الأحوال ، ومنه يعلم حال الأقرب فالأقرب ، فإنّ ذلك من أحكام السياسة الّتي ترجع إلى نظر الإمام عليه السلام ومأذونه .
( و ) لذا ( يجب ) على الإمام عليه السلام ومنصوبه ( التربّص إذا كثر العدوّ وقلّ المسلمون حتى تحصل الكثرة للمقاومة ثمّ تجب المبادرة [ 3 ] . ثمّ إنّ الكثرة المقاومة تختلف باختلاف الحال [ 4 ] . وكيف كان فينبغي للإمام عليه السلام ملاحظة أطراف بلاد المسلمين ، فيجعل فيها من يكفّ المشركين ، ويعمل الحصون ويحفر الخنادق وغير ذلك ممّا يحترس المسلمون به . كما أنّه ينبغي له جعل أمير في كلّ ناحية يقلّده أمر الحروب وتدبير الجهاد ذي أمانة ورفق ونصح للمسلمين ، ورأي وقوّة وشجاعة ومكابدة للعدوّ ، وإذا احتاج إلى المدد مدّه ، إلى غير ذلك ممّا يقتضيه الحال ، فإنّ الجهاد موكول إلى نظر الإمام عليه السلام ويلزم الرعيّة طاعته كما يراه .
[ الابتداء بالقتال بعد الدعاء إلى الإسلام ] :
( و ) كيف كان ف ( - لا يبدأون ) أي الكفّار الحربيّون بالقتال مع عدم بلوغ الدعوة إليهم ( إلّابعد الدعاء إلى
شرح
[ 1 ] كما صرّح به الفاضل والشهيدان « 1 » وغيرهم ، بل لا أجد فيه خلافاً .
ولذا أغار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم « 2 » على الحارث بن أبي ضرار لمّا بلغه أنّه يجمع له ، وكان بينه وبينه عدوّ أقرب منه . وكذا فعل بخالد بن سفيان الهذلي « 3 » .
[ 2 ] كما صرّح به أيضاً غير واحد .
[ 3 ] كما في القواعد « 4 » ، ولكن في التحرير : « يستحبّ له أن يتربّص بالمسلمين مع القلّة ويؤخّر الجهاد حتى يشتدّ الأمر بالمسلمين » « 5 » . ولعلّ المراد حال آخر غير المفروض .
[ 4 ] وقال عمر بن أبي نصر : سمعت أبا عبد اللَّه عليه السلام يقول : « خير الرفقاء أربعة ، وخير السرايا أربعمئة ، وخير العساكر أربعة آلاف ، ولا تغلب عشرة آلاف من قلّة » « 6 » . وفي خبر فضيل بن حنتم عن أبي جعفر عليه السلام قال : « قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : لا يهزم جيش عشرة آلاف من قلّة » « 7 » . وقال شهر بن حوشب : سألني الحجّاج عن خروج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى مشاهده ؟ فقلت : شهد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم بدراً في ثلاثمئة وثلاثة عشر ، وشهد احداً في ستّمئة ، وشهد الخندق في تسعمئة ، فقال : عمّن قلت ؟ قلت : عن جعفر بن محمّد عليهما السلام فقال : ضلّ واللَّه من سلك غير سبيله « 8 » . وفي المروي عن الخصال بسنده إلى ابن عبّاس قال : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : « خير الصحابة أربعة ، وخير السرايا أربعمئة ، وخير الجيوش أربعة آلاف ، ولم يهزم إثنا عشر ألف من قلّة إذا جرّدوا وصدقوا » « 9 » .
هامش
( 1 ) التذكرة 9 : 58 . الدروس 2 : 31 . الروضة 2 : 390 .
( 2 ) البحار 20 : 281 ، 290 . سنن البيهقي 9 : 37 - 38 .
( 3 ) سنن البيهقي 9 : 38 .
( 4 ) القواعد 1 : 484 .
( 5 ) التحرير 2 : 140 .
( 6 ) الوسائل 15 : 135 ، ب 54 من جهاد العدوّ ح 1 ، وفيه : « عن عمرو بن أبي نصر » .
( 7 ) المصدر السابق : ح 2 ، وفيه : « فضيل بن خيثم » .
( 8 ) المصدر السابق : ح 3 .
( 9 ) الخصال : 201 ، 202 ، ح 15 . الوسائل 15 : 136 ، ب 54 من جهاد العدوّ ، ح 4 ، وفيه : « صبروا » بدل « جرّدوا » .