ثمّ إنّ الظاهر تحقّق الصدّ بالحبس ظلماً على مال وإن قدر على دفعه [ 1 ] . بل لعلّه مراد المصنّف بقوله :
( وكذا لو حبس ظلماً ) [ 2 ] .
شرح
[ 1 ] للإطلاق ، والحكم على المحبوس عند السلطان بأنّه مصدود فيما سمعته من خبر الفضل « 1 » ، ولأنّه لا يجب عليه بذله وإن كان غير مجحف ؛ للأصل وغيره . والأمر بالإتمام بعد تحقّق اسم الصدّ لا يقتضي البذل مقدّمة . ولذا جزم به الفاضل في القواعد « 2 » من غير إشارة إلى خلاف ، بل حكاه في المسالك أيضاً « 3 » عن ظاهر جماعة أيضاً .
[ 2 ] بناءً على أنّ المراد التشبيه بالجزء الأخير من حكم المديون وهو قوله : « تحلّل » فيكون الحاصل حينئذٍ أنّ المحبوس ظلماً يتحلّل مطلقاً ؛ لأنّه مصدود ، سواء قدر على دفع المطلوب منه أم لا ، وسواء كان مجحفاً أم لا . وربّما احتمل في عبارة المتن كون المشبه به المشار إليه بذا مجموع حكم المحبوس بدين بتفصيله ، فيكون الحاصل حينئذٍ أنّ المحبوس ظلماً إن قدر على دفع ما يراد منه لم يتحلّل ، وإن عجز تحلّل نحو ما سمعته في المديون . واختاره في المسالك « 4 » . وربّما يشهد له ما تقدّم له في الشرائط فيما لو كان في الطريق عدوّ لا يندفع إلّابمال حيث قال [ المصنّف ] : « ولو قيل : يجب التحمّل مع المكنة كان حسناً » .
بل وما تسمعه منه في الفرع الخامس من أنّه لو طلب - أي العدوّ - مالًا لم يجب بذله ، ولو قيل بوجوبه إذا كان غير مجحف كان حسناً . لكن لا يخفى عليك ما في اختلاف عبارة المصنّف في المواضع الثلاثة مع أنّها متقاربة الموضوع وبينها اختلاف يسير ؛ إذ الأوّل منها فيما لو طلب منه المال في الطريق قبل الشروع في الحج والاخريان بعده ، إلّاأنّ هذه مفروضة في كونه قد حبس بالفعل والثانية في كونه ممنوعاً من المسير إلى أن يؤدّي لهم مالًا . فعلى الاحتمال الأخير في عبارة المتن هنا لا اختلاف في الحكم ؛ ضرورة اشتراك الثلاثة في وجوب الدفع مع الإمكان ، إلّاأنّ في الأخيرة التقييد بعدم الإجحاف فيحتاج حينئذٍ إلى توجيه الفرق بين ذكر القيد وعدمه إن كان أو دعوى تغيّر الحكم . وأمّا على الاحتمال الأوّل في العبارة المقتضي لعدم وجوب دفع المال للظالم مطلقاً ، فلا ريب في اختلاف الحكم حينئذٍ . ومن هنا تكلّف للفرق بين هاتين العبارتين هنا بأنّ الأولى مفروضة في كونه محبوساً على مال ظلماً ، لا لخصوص المنع من الحج ، بل بسبب المال خاصة ، حتى أنّه لو أعرض عن الحج رأساً لم يندفع عنه المال ، بخلاف منع العدوّ في الثانية ، فإنه لخصوصية الحج حتى لو أعرض عن الحج خلّي سبيله ، وحينئذٍ فيجب بذل المال في الثانية ؛ لأنّه يسبب الحج دون الأولى ولكن في اختلاف الأحكام بسبب هذا الفرق منع واضح ، خصوصاً بعد عدم ظهوره من الكلام ، بل والمقام ، هذا . وربّما قيل :
إنّه كان الأولى للمصنّف العكس ، فيجب بذل جميع ما يتمكّن ويقدر مع التلبّس بالإحرام ؛ لوجوب الإتمام عليه وجوباً مطلقاً ، فيقتضي وجوب مقدّمته ، بخلاف ما إذا لم يتلبّس بالحج ، فإنّ الوجوب فيه مشروط بتخلية السرب ، وهو منتفٍ ، وشرط الواجب لا يجب تحصيله . ولكن فيه ما لا يخفى أيضاً ، فإنّ مقتضاه عدم الوجوب ، وإن كان غير مجحف على أنّه قد تقدّم سابقاً أنّ الوجوب للمقدّمة قد يعارضه قاعدة نفي الحرج ونفي الضرر وغيرهما ، ولذا قيّد بعضهم وجوبها بما إذا لم يستلزم ضرراً « 5 » . وكيف كان فذلك كلّه خارج عن المقصود الذي هو تحقّق الصدّ بالحبس ظلماً ، من غير فرق بين كونه على الحج أو على المال ، واللَّه العالم .
هامش
( 1 ) الوسائل 13 : 184 ، ب 3 من الاحصار والصد ، ح 2 ، وفيه : « الفضل بن يونس » .
( 2 ) القواعد 1 : 454 .
( 3 ) المسالك 2 : 394 .
( 4 ) المسالك 2 : 393 .
( 5 ) جامع المقاصد 3 : 288 .