أنحنى محمود على الجسد المسجى ، ورفع اليد المعروفة إلى فمه وطبع عليها قبلة طويلة ثم رفع رأسه وقد تبلل وجهه بالدموع ، وظل واقفاً أمامها لا يريم ، وفجأة صدرت عن صدر المريضة العجوز آهة أتبعتها بتململ قليل من رأسها ، فانحنى عليها مرة أخرى وناداها بصوت خافت حنون : جدتي . . . جدتي العزيزة ! أنا محمود . جهد جبار فتحت العجوز عينيها وابتهل محمود إلى ربه في سره قائلًا : ليتها تعرفني يا رب ! وعرفته المسكينة ، فقد لاحت على وجهها المغضن الشاحب شبح ابتسامة . . . فعاد محمود يقول : - أنا محمود ، جئت إليك تائباً نادماً مستغفراً عما بدر مني ، فهل تغفرين لابنك العاق ؟ . ورفعت المرأة العجوز عينها نحو السماء كأنها تريد أن تدعو له بالغفران ، فانحنى مرة أخرى وقبل يدها بخشوع وشعر بأناملها باردة متشنجة ، فلم يشأ أن يترك تلك اليد الكريمة التي طالما هدهدته وداعبته فأبقى عليها بين يديه ، واختجلت الأنامل في قبضته اختلاجة صغيرة ، وصدرت عن الجسد المسجى أنة خافتة ، فنظر نحوها فزعاً ، وحاول أن يناديها مرة أخرى ، ولكن الخادمة العجوز منعته من ذلك ، وقالت وهي تذرف العبرات : - دعها فقد أسلمت روحها إلى باريها راضية مرضية .
المجموعة القصصية الكاملة — صفحة 189
مساهمون: الشهيدة بنت الهدى
ص١٨٩