الفصل الخامس والعشرون
أنهى محمود مراسيم دفن جدته ، وفي ساعة متأخرة من اليوم الثاني وصل إلى داره ففتح الباب بالمفتاح الذي كان يحمله معه ، وتوجه إلى غرفته ، وكان السكون يسود أرجاء الدار ، وقد انصرف الخدم إلى بيوتهم كعادتهم في كل يوم ، فلم يكن يستقيم في البيت أحد من الخدم عدا سنية ، وكان بصيص من النور يلوح من نوافذ غرفتها فعلم أنها لا تزال يقظى ، وحانت منه التفاتة نحو غرفة سعاد فرآها غارقة في ظلام دامس ، فعجب لذلك وهو يعلم أنها لا تنام في الظلمة ، وفكر أنها لم تعد بعد ، ونظر إلى الساعة فرأى أنها تقارب الثانية صباحاً . . وكانت حوادث اليومين الماضيين قد أثرت على أعصابه فلم يتمكن أن ينام ، وهو يشعر بالندم . . . كيف أعمت الشهوات عينيه ؟ وكيف سمح لنفسه أن يجري وراء هواه ؟ وكيف صيرته المادة عبداً لا يخضع إلا لها ؟ ولا يعيش إلا لأجلها ، حتى جدته العجوز لم يستجب لنداءاتها أو يرد على رسائلها ، ليت حياتها استمرت مدة أطول ، إذن لعرف كيف يضمها إليه ، وكيف يمسح بعواطفه