رآها تهز يد المرأة مصافحة قبل أن تستقل « الأمانة » . . . وذهل محمود وكاد يظن أنه في حلم ، فهو لا يصدق أن فتاة تعرض نفسها للمساومة ، تقف هذا الموقف النبيل ، وإن المرأة التي تتصيد المال تتنازل عن قرطيها الماسيين بهذه السهولة وبدافع من الرحمة . واستقل سيارته وهو غارق في خضم الأفكار ، وكانت أفكاره مشوشة مختلطة ، وفي البيت أغلق عليه باب غرفته لكي لا يكدر تفكيره أحد ، وأخذ يراجع تصرفات نقاء ويستعيد كلماتها وعباراتها ويتمثل لهجتها الصادقة وأسلوبها الواضح المستقيم ، وتذكر نظراتها النارية وصوتها المتهدج . . . ولم يسعه بعد ذلك إلا أن يعترف بأن هذه أمور لا يمكن أن تكون مصطنعة أو مزيفة ، ولابد أن يكون قد وقع هو نفسه في خطأ فظيع . . . ولم يتمكن محمود أن يصرف فكره عن حادثة القرط ، فقد قلبت هذه الحادثة مفاهيمه ، وفتحت أمامه آفاقاً جديدة لم يكن يعرفها أو يعترف بوجودها أيضاً . . . وشعر أن في الحياة معان سامية كانت خافية عليه . . . وإن في هذه المعاني روعة لا متناهية ، تفوق جميع ما صادفه في حياته من روائع مصطنعة وأحس بالوضاعة وهو يتمثل موقفه من الفتاة ، وهو يحشو كلماته الجوفاء بذكر الثروة والمال ، في الوقت الذي لا يهمها فيه أن تتنازل عن قرطيها الماسيين في سبيل التستر على امرأة
المجموعة القصصية الكاملة — صفحة 151
مساهمون: الشهيدة بنت الهدى
ص١٥١