هامش
- الله ما هو حسبكم زاجراً لكم لو كنتم تخافون المعاد ، ونثرت لكم من مكنون علمي ما يبلُّ غلّتكم لو كنتم إلى الحقيقة ظماء ، ويشفي سقمكم لو كنتم تعلمون أنّكم مرضى ضلال ، ويحييكم بعد موتكم لو كنتم تشعرون أنّكم صرعى غواية ، حتّى حصحص أمركم ، وصرّح مكنونكم أنّكم أضلّ سبيلًا من الأنعام السائمة ، وأقسى قلوباً من الحجارة الخاوية ، وأشره إلى الظلم والعدوان من كواسر السباع ، لا تزدادون مع المواعظ إلّا غيّاً ، ومع الزواجر إلّا بغياً ، أشباه اليهود ، وأتباع الشيطان وأعداء الرحمن ، قد نصبتم له الحرب الضروس ، وشننتم على حرماته الغارة الرعناء ، وتربّصتم بأوليائه كلّ دائرة ، وبسطتم إليهم يديكم بكلّ مساءة ، وقعدتم لهم كلّ مرصد ، وأخذتموهم على الشبهات ، وقتلتموهم على الظنّة ، على سنن آبائكم الأوّلين ، تقتفون آثارهم ، وتنهجون سبيلهم ، لا يردعكم عن كبائر الإثم رادع ، ولا يزعكم عن عظائم الجرم وازع ، قد ركبتم ظهور الأهواء فتحوّلت بكم إلى المهالك ، واتّبعتم داعي الشهوات فأوردكم أسوأ المسالك . قد نصبتم حبائل المكر ، وأقمتم كمائن الغدر . لكم في كل أرض صريع ولكم في كل دار فجيع ، تخضمون مال الله فكهين ، وتكرعون في دماء الأبرياء شرهين ، فأنتم والله كالخشب اليابس أعيى على التقويم ، وكالصخر الجامس أنأى الأشياء عن التفهيم ، فمالي بعد ذلك لا أنفض يدي يأساً منكم ؟ يا شذّاذ الآفاق ، وأوباش الخلق ، وشرّ البرية ، وعبدة الطاغوت ، وأحفاد الفراعنة ، وأذناب المستعبدين ، أظننتم أنّكم بالموت تخيفونني ؟ وبذكر القتل تلوونني ؟ وليس الموت إلّا سنّة الله في خلقه كلّهم على حياضه واردون ، وليس القتل على أيدي الظالمين إلّا كرامة الله لعباده المخلصين .
فأجمعوا أمركم ، وكيدوا كيدكم ، واسعوا سعيكم ، فأمركم إلى تباب ، وموعدكم سوء العذاب ، لا تنالون من أمرنا ولا تطفئون نورنا .
وأعجب ما في أمركم مجيئكم إليّ بحلية الناصحين ، تنمّقون القول ، وتزوّرون البيان ، تعدونني خير العاجلة برضاكم ، وثواب الدنيا بهواكم ، تريدون منّي أن أبيع الحقّ بالباطل ، وأن أشري طاعة الله بطاعتكم ، وأن أسخطه لأرضيكم ، وأن أخسر الحياة الباقية لأربح الحطام الزائل .
ضلتُ إذن وما أنا من المهتدين ، تبّاً لكم ولما تريدون ، أظننتم أنّ الإسلام عندي شيء من المتاع يشترى ويباع ؟ أو أنّه شيءٌ من عرض الدنيا يؤخذ ويعطى ؟ تعرضون لي فيه باهظ الثمن جاهلين ، وتمنونني عليه زخارف خادعة من الطين ؟ أتعدونني عليه وتوعدون ؟ وترغبونني فيه وتنذرون ؟
[ فأوبوا بخيبتكم محسورين ، وارجعوا على الأعقاب مدحورين ] ، فوالله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقرُّ لكم إقرار العبيد .
فإن كان عندكم غير الموت ممّا تخيفون به فهلمّوا به ، أو كان لديكم سوى القتل ما تنذرون به فكيدوني ولا تنظرون ، لتبصروا أنّ لي بالجبال الشمّ شبيهاً من التعالي والشمم ، وأنّ عندي من الرواسي الشامخات مثيلًا من الرسوخ والثبات .
قولوا لمن بعثكم ومن وراءهم من أسيادهم أنّ دون ما تريدون من الصدر ألف قتله بالسيف أو خطباً أمرّ منه ، وأنّ الذي تطلبونه منه لونٌ من المحال لا تبلغونه على أيّ حال .
ووالله لن تلبثوا بعد قتلي إلّا أذلّة خائفين ، تهول أهوالكم ، وتتقلّب أحوالكم . يُسلّط الله عليكم بأيديكم من يجرّعكم مرارة الذل والهوان ، ويسقيكم مصاب الهزيمة والخسران ، يذيقكم ما لم تحتسبوا من طعم العناء ، ويريكم ما لم تتوجّسوا من البلاء ، فلا يزال بكم على هذه الحال ، حتّى يؤول بكم إلى شر مآل ، جموعاً مثبورة في الروابي والفلوات ، وفلولًا مدحورة تطلب السلامة والنجاة ، حتّى إذا انفضّ عديدُكم وفلّ حديدكم ، دمدم عليكم فدمر عروشكم ، وترككم أيادي سبأ ، أشتاتاً بين من أكلتهم بواتره ومن هاموا على وجوههم في الأقطار ، وولّوا مذعورين إلى شتّى الأمصار ، ويورث الله المستضعين أرضكم ودياركم وأموالكم ، فإذا بكم قد أمسيتم لعنة تتجدّد على أفواه الناس ، وصفحة سوداء في أحشاء التاريخ » ( سبحات روحيّة : 157 - 160 ) .
والتحقيق أنّ لدينا جملة من الملاحظات :
أوّلًا : جاء النصّ في صحيفة ( السياسة ) كما يلي : « . . ومن هذه الوثائق المهمّة رسالة وجّهها صدّام إلى المرجع الشيعي العراقي محمّد باقر الصدر ( قبل خمسة أيّام من استشهاده ) في التاسع من أبريل عام 1980 . . » . وحقُّ النصّ أن يكون كما يلي : « . . . ( قبل خمسة أيّام من استشهاده في التاسع من ابريل عام 1980 ) » . وجاء في مجلّة العصر أنّ تاريخ -