حرجاً صعباً لا سيما وأنّ الجرح استمرّ في النزف . . حاولنا إيقاف النزف ، ولكنّه استمرّ بصورة أقلّ في اليوم الثاني . .
وفي يوم حاول جعفر فتح الباب ، فوضع أحدهم أخمص الرشّاش في فرج الباب كي يخيفه وصفعه على وجهه وأغلق الباب . .
كنت أظنُّ في فترة الحجز إننا قد انقطعنا عن العالم وكأننا وحدنا في مكان مقفر ، ولكن حينما يصل صوت بوق السيارة إلى مسامع كنت آنس بهذا الصوت لأني أشعر حينها أننا لسنا منعزلين عن الأحياء ، وإن هنالك أناساً ما زالوا قريبين منا . وقبل قرأت بيتاً من الشعر معناه : إن الشاعر يقول : إنه لوحدته يأنس بصوت الذئب فعجبت وقلت : وأنى للإنسان أن يأنس بعواء الذئب وهذا ما حدث لي فعلًا فإني كنت آنس بصوت بوق السيارة لأنه يحسسني بأننا ما زلنا نعيش وسط الناس ولسنا منعزلين عن المجتمع .
في أيّام الصيف القائض كنّا ننام في الغرفة لأنّ هؤلاء الجبناء حاولوا اغتيال السيّد الصدر ، فقد عبروا إلى السطح في منتصف الليل . . ولذا كنّا نفضّل النوم في الغرفة برغم حرارة الجوّ ، وينام السيّد في وسطنا . . كنّا نحن الحماية له . . » « 1 » .
وكانت السيّدة بنت الهدى تخرج بعض الأحيان إلى الزقاق بحجة إخراج النفايات من البيت تنظر الزقاق علها تجد أحداً من الأحبة ماراً ، ولكنها دائماً تجد الزقاق خال من المارة إلا من رجال الأمن المحدقة بالبيت ليل نهار . وكانت ( رحمة الله ) تردّد :
عتبتنا غطاها التراب لئلا يزورنا الأحباب « 2 »
وكان أطفال السيّد الصدر ( رحمة الله ) يتطلّعون صباح كلّ يوم إلى الباب بلهفة على أمل وصول
أحد الأشخاص المكلّف بنقل الغذاء إلى البيت خشية عدم وصوله .
وكانت نزهة الأطفال الوحيدة هي الصعود إلى سطح الدار والنظر إلى الفضاء الواسع وخاصّةً في الليالي المقمرة .
أما السيّد الصدر ( رحمة الله ) فكان يحدث أبناءه حينما يسألونه عن سبب حجزهم فيذكر لهما الأحاديث الطوال عن معاناة رسول الله ( ص ) والحصار الذي فرضته قريش عليه وأصحابه في شعب أبي طالب « 3 » ، وكان أولاده قد أبدوا شجاعةً وتماسكاً وصبراً لا يقدر عليه إلّا الكبار عادةً ، وكانوا يتواصون فيما بينهم - على صغر سنِّهم - على ضرورة ألّا يظهروا آلامهم وشكاواهم أمام أبيهم الممتحن ، حتّى لا تزداد همومه ويمرض لأجلهم قلبه زيادة على ما يعانيه « 4 » .
وعلى كلّ حال ، فالذي آلم السيّد الصدر ( رحمة الله ) في فترة الحجز أمران :
الأوّل : عدم اطّلاعه على الموقف الإيراني من الحجز .
الثاني : عدم اطّلاعه على أوضاع العراق الداخليّة .
هامش
( 1 ) بطلة النجف : 73 - 76
( 2 ) بطلة النجف : 79
( 3 ) الإمام الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر . . دراسة في سيرته ومنهجه : 326
( 4 ) وجع الصدر . . ومن وراء الصدر أم جعفر : 184 .