تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
أولاده عندما ينقطع التيّار الكهربائي أن يقرأوا دعاء التوسّل ، وكان أحياناً يقرؤه معهم ، وكان التيّار يعود في بعض الأحيان « 1 » . لقد نفد كلّ ما كان موجوداً من طعام ولم يبق إلّا صندوق من الخبز اليابس التالف ، فبدأت زوجة السّيد ( رحمة الله ) ترتّب هذا الخبز على شكل طعام شعبي ( يعرفه العراقيّون بالمثرودة ) وقد بقوا مدّة على هذا الحال « 2 » . وفي إحدى المرّات ، عندما كان الشيخ النعماني يتغدّى مع السيّد الصدر ( رحمة الله ) من هذا الطعام ، لمح السيّد ( رحمة الله ) في وجه الشيخ النعماني علامات التأثّر ، وكان في نفسه أن يقول : « سبحان الله إنّ نائب المعصوم ( ع ) يأكل من هذا الفتات بينما يأكل الطغاة ما لذّ وطاب ! » . فقال له ( رحمة الله ) : « إنّ هذا الطعام ألذّ طعام ذقته في حياتي لأنّه في سبيل الله ومن أجل الله » « 3 » . وحدث أن تعطّلت آلة الحلاقة عند السيّد الصدر ( رحمة الله ) ، فطال شعر رأسه وطالت لحيته « 4 » ، كما ازداد جسده المكدود إنهاكاً وخوراً ؛ لأنّه هو أساساً كان يعاني من علل وأسقام مزمنة ، لكنّ حرمانه من الدواء والعلاج ، زاده علّة على علّته « 5 » . وكلّما مرّت الأيّام كانت تشتدّ المحنة على السيّد الصدر ( رحمة الله ) سيّما من الناحية العاطفيّة ، فإنّه كان يحسّ بحرج كبير وهو يرى أطفاله جياعاً ، وأمّه المريضة المقعدة تطلب الدواء ولا دواء ، وكان يقول للشيخ النعماني : « سيموت هؤلاء جوعاً بسببي ، ولكن ما دام ذلك يخدم الإسلام فأنا سعيد به ، ومستعدّ لما هو أعظم منه » « 6 » ، فكان يجالس أهله ويلاطفهم ويخفّف عمّا فيهم ويتكلّم معهم وكأنْ ليس هناك شيء ، وكان يقول لهم وفي أوقات متفرّقة : « اذهبوا واتركوني ، إنّهم - أي صدّام وجماعته - فقط يريدونني وليس لهم علاقة بكم » ، ولكنّ هذا الكلام كان لا يزيد أهله إلّا حبّاً له وتعلّقاً به ، وكانوا - مع كلّ هذه الضغوط النفسيّة - يشعرون بنعمة وجوده في ما بينهم ، وكلّ يوم يمرّ والسيّد بينهم كان بالنسبة لهم مكسباً ومغنماً كبيراً . أمّا هو فقد كان يتأثّر ويحدّث ويحزن على وضعهم وهم تحت ضغط الحجز ، ولكنّه سلّم أمره وأمرهم إلى الله عزّ وجل ، وقد ضعف في ذلك الوقت بسبب وضعه الصحّي وكذلك النفسي ، وكان ضغطه مرتفعاً في أكثر الأحيان « 7 » . وكان بعض المؤمنين يرسل إلى السيّد الصدر ( رحمة الله ) في فترة الاحتجاز بعض المبالغ ، فكان ( رحمة الله ) يرفض استلامها رغم حاجته إليها ، فقال له الشيخ النعماني في مرّة من المرّات : « سيّدنا لماذا ترفض المال ونحن
هامش
( 1 ) من مذكّرات أسرة السيّد الصدر للمصنّف ، ( مخطوط ) ( 2 ) مقدّمة مباحث الأصول : 156 ؛ من تعليقة أسرة السيّد الصدر على مسودّة الكتاب الثانية ( 3 ) شهيد الأمّة وشاهدها 2 : 159 ؛ وانظر المصدر نفسه : 1 : 216 ، مقابلة ( 2 ) مع الشيخ محمّد رضا النعماني ؛ وكذلك : صحيفة ( لواء الصدر ) ، العدد ( 596 ) ، 18 / شوّال / 1413 ه - ، نقلًا عن الشيخ محمّد رضا النعماني ( 4 ) مقابلة مع الشيخ رياض الناصري ( 5 ) وجع الصدر . . ومن وراء الصدر أم جعفر : 185 ( 6 ) شهيد الأمّة وشاهدها 2 : 159 ( 7 ) من مذكّرات أسرة السيّد الصدر للمصنّف ، ( مخطوط ) .