بالإرهاب قتل الابتسامة في وجوههم ، وقد طالت المدّة وتمادت ، ومع ذلك أبى قبول أبسط شروط السلطة لفكّ الحجز ، وقدّم مصلحة الإسلام والمرجعيّة على مصلحته الخاصّة « 1 » ، وصمّم مع ذلك كلّه على أن يستمرّ هو ومن معه على تحمّل هذه المأساة وتحويلها إلى قضيّة تحقّق للإسلام وللعمل الإسلامي أكبر قدر ممكن من الانتصار ، وكان مراراً يقول : « إنّني مستعدٌّ لأن أبقى مع عائلتي محتجزاً مدى العمر أو أضحّي بنفسي وبهم إذا كان ذلك يحقّق للإسلام نصراً في العراق » « 2 » .
وممّا قاله السيّد الصدر ( رحمة الله ) للشيخ النعماني حول أولاده : « إنّي والله أخشى أن أقبّل أطفالي خشية أن تسترق أجهزة الصوت الموضوعة في البيت ذلك وتسخّرها السلطة لأغراض دعائيّة ضدّي ، وتصوّرها للناس بشكل آخر » « 3 » .
وحدث أنّ أولاد السيّد الصدر ( رحمة الله ) لبسوا يوم العيد ملابس العيد ولكنّهم لم يستطيعوا الخروج من البيت « 4 » ، وكانت بنت الهدى ( رحمة الله ) تربّيهم على الاستئناس بالحجز كي لا يظهروا أمام والدهم على خلاف ذلك فيتأذّى « 5 » ، ولم يكن في البيت شيءٌ من وسائل الترفيه تستوعب أوقات الأطفال وتبعدهم عن جوّ الاحتجاز ، فكانت بنت الهدى ( رحمة الله ) تسعى إلى استيعاب أوقاتهم وخاصة في ساعات الشدّة والحرج فتراها في حركة دائبة لمعالجة هذه المشكلة ، وقد نجحت نجاحاً كبيراً واستطاعت بذكاء وحكمة أن تخلق - نسبياً - جوّاً مريحاً للأطفال يخفّف عن السيّد الصدر ( رحمة الله ) همّاً لا يجد له علاجاً « 6 » ، وكانت تحاول التخفيف عن الجميع ، فكانت تخدمهم وترعاهم بقدر ما تستطيع « 7 » .
ولكنّ الوضع قد أقلقها على كلّ حال ، فتوجّهت بالسؤال إلى الشيخ النعماني : « ماذا تعتقد ! إلى متى سيستمر الوضع على هذا الحال ؟ » ، فقال : « إنّ المجرمين يحاولون الانتقام بقتل الجميع بأيّ وسيلة ، إلّا أنّ الله فوقهم » . ثمّ ذهبت في تفكير عميق وقالت : « كم أتمنّى أن أموت قبلكم ولا أرى أولاد أخي يموتون الواحد بعد الآخر وأنا لا أستطيع فعل شيء لهم ، أنا ربّيتُ هؤلاء » .
ونزلت ( رحمة الله ) إلى سرداب البيت الذي يضمّ مقبرة لأسرة آل المامقاني تبحث عمّا إذا كانت هناك
أماكن فارغة لدفن من يموت ، وكانت ( رحمة الله ) حائرة لا تدري كيف تتعامل مع مشكلة تكاد أن تقع وهي لا تملك حلًّا لها ، وكانت تلك الأيّام من أقسى الأيام وأصعبها « 8 » .
وذات مرّة كان الشيخ النعماني جالساً يتحدّث مع السيّد الصدر ( رحمة الله ) في مكتبته ، وكانت آثار الجوع بادية عليه ( رحمة الله ) ، والشحوب يغطي وجهه ، وإذا بإحدى بناته تمرّ من أمامهم فرقّ لها قلبه ، وسالت دمعة من عينه ، وقال : « سيقتلون هؤلاء بسببي ، ليتهم يحجزوني وحدي ويطلقون هؤلاء » « 9 » ، وكان ( رحمة الله ) يطلب من
هامش
( 1 ) شهيد الأمّة وشاهدها 1 : 138 - 139
( 2 ) شهيد الأمّة وشاهدها 2 : 179
( 3 ) شهيد الأمّة وشاهدها 2 : 207 - 208
( 4 ) مقابلة مع الشيخ رياض الناصري
( 5 ) مقابلة ( 1 ) مع الشيخ محمّد رضا النعماني
( 6 ) الشهيدة بنت الهدى . . سيرتها ومسيرتها : 131
( 7 ) من مذكّرات أسرة السيّد الصدر للمصنّف ، ( مخطوط )
( 8 ) الشهيدة بنت الهدى . . سيرتها ومسيرتها : 127 - 128
( 9 ) الشهيد الصدر سنوات المحنة وأيّام الحصار : 118 ؛ شهيد الأمّة وشاهدها 1 : 216 .