بها ؛ لأنّنا نشعر بأنّنا قرب العالم ، وكان صوت أُمّ تنادي ولدها أو صراخ طفل يصل إلى مسامعنا يؤنسنا غاية الأنس ، وكان دويّ المخبز الملاصق للمنزل أحلى من أيّ لحن ، هكذا يشعر الإنسان إذا وضع في قفص خانق » .
وبدأت أوّل صلة بخارج البيت في اليوم الأخير من شهر شعبان ( 25 / 7 / 1979 م ) حينما صعد
الشيخ النعماني إلى سطح المنزل ووقف في زاوية منه بحيث لا تراه أجهزة المراقبة ولا عيون الأمن مترقّباً هلال شهر رمضان المبارك ، فرأى السيّد عبد العزيز الحكيم ، وكان هو أيضاً قد صعد إلى السطح مترصّداً الهلال . وبما أنّ المسافة بعيدة نسبيّاً بين الدارين « 1 » فقد كان تفاهمهما عبارة عن إشارات باليد ، بعضها كانت مفهومة والأخرى غير مفهومة ، ولكنّ الشيء الذي اتّفقا عليه من خلال الإشارات هو الالتقاء في اليوم التالي في الوقت نفسه .
وهكذا بدأت أوّل صلة بالعالم من خلال هذا الطريق بعد عزلة تامّة استمرّت ما يقرب من أربعين يوماً .
وفي اليوم الثاني صعد الشيخ النعماني إلى السطح ، فرأى السيّد عبد العزيز الحكيم من بعيد يشير إليه بإشارات ، والشيخ النعماني أيضاً يُقابله بإشارات مماثلة حاول من خلالها أن يفهم ما يقول ويُفهمه ما يُريد ولكن من دون نتيجة تذكر ، حيث لم يفهم أحدهما مراد الآخر عبر الإشارات فاتّفقا على موعد آخر .
وفي اليوم التالي كتب السيّد الحكيم عبارات على قطعة من الكارتون ، استطاع الشيخ النعماني أن يقرأ بعضها دون بعض ، وكانت هذه المحاولة بداية التوصّل إلى الأسلوب المناسب للتخاطب ، فبعد ذلك كان الشيخ النعماني يكتب ما يريده السيّد الصدر ( رحمة الله ) على ( صينيّة الطعام ) بخطٍّ كبير ، وقد يستدعي ذلك عدّة صوان ، ثمّ يقوم بعرضها الواحدة بعد الأخرى على حسب تسلسل كلمات الجملة ، فيُقدّم الأولى ثمّ الثانية وهكذا حتّى تتمّة الجملة ، وكان السيّد الحكيم يقرؤها بواسطة ( المنظار ) المقرّب ويفهم ما يريد السيّد الصدر ( رحمة الله ) إيصاله إليه ، وهكذا يقرأ الشيخ النعماني ما كان يكتبه السيّد الحكيم ، ويتمّ التفاهم بينهما بهذا الأسلوب .
[ وبعد ذلك صار التواصل يتمّ عبر النافذة ، حيث يحمل الشيخ النعماني المنظار والمسجّل ويقرأ ما يكتبه السيّد عبد العزيز الحكيم ثمّ يسمعه للسيّد الصدر ( رحمة الله ) ] .
وكانا فيما بعد يتّفقان على أكثر من موعد في اليوم حسب ما تقتضيه الظروف ، وقد يحدث أن يتمّ الاتّصال من دون موعد في بعض الأحيان .
وبهذه الطريقة استطاع السيّد الصدر ( رحمة الله ) أن يكون على اطّلاع كامل على الأوضاع ، ومن خلاله كانت توجيهاته وتعليماته تصل إلى المجاهدين والمؤمنين « 2 » .
هامش
( 1 ) وصف لي الشيخ عبد الحليم الزهيري موقع المنزلين ، وقال لي : إنّ منزل السيّد الصدر يقابل منزلًا آخر كان خالياً ويفصلهما الزقاق ، ويلاصق منزل السيّد عبد العزيز الحكيم ذلك البيت ، فيكون الفاصل بين بيت السيّد الصدر وبين بيت السيّد الحكيم عبارة عن الزقاق والبيت الخالي
( 2 ) شهيد الأمّة وشاهدها 2 : 161 - 163 ؛ الإمام محمّد باقر الصدر . معايشة من قريب : 161 ؛ وما بين [ ] حدّثني به الشيخ محمّد رضا النعماني بتاريخ 21 / 3 / 2005 م .