الاستقبال ، وجلس أحدهم إلى جانب السيّد وقال له : « إنّك تثير الطائفيّة في البلد » ، فأجابه ( رحمة الله ) : « أنا لا أثير الطائفيّة » ، فقال : « بلى ، إنّك تتكلّم على النصارى ، وينبغي أن تكفَّ عن ذلك حتّى إذا كان تفسيراً للقرآن » ، فنهره السيّد ( رحمة الله ) وأمره بالخروج وقال له : « يا عديم الأدب » ، فخرج هؤلاء الثلاثة وانتشر الخبر بسرعة في المدينة ، فجاء إلى دار السيّد عددٌ من أصحابه .
وفي الساعة الحادية عشرة أعلن البعثيّون حالة إنذار قصوى في المدينة ، وجاءت سراريا من الأمن والجيش من مدينتي الكوت والحسينيّة وغيرهما ونصبوا مفارز تفتيش ، وسدّت الطرق والأزقّة المؤدّية إلى بيت السيّد شبّر ( رحمة الله ) . وقد تصدّى لهم الشباب المؤمن ، وحصلت معركة غير متكافئة ، فقد كان رجال السلطة يحملون الرشّاشات والبنادق وكان الشباب يحملون السكاكين وقطع الحديد والخشب . أمّا السيّد شبّر ( رحمة الله ) ، فقد كان في يده مطرقة . وقد استطاعوا في نهاية الأمرم ن طرد البعثيّين خارج البيت والتحصّن داخله .
وفي الساعة بعد منتصف الليل أتى رجال السلطة مستعينين بأحد وجهاء البلدة ( وربّما كان قد خدع ) ، فدخل إلى البيت وقال للسيّد ( رحمة الله ) إنّه لا عداوة بين البعثيّين وبينه ، وأنّهم يطلبون جلسة مع محافظ الكوت ، وقال له إنّه إن امتنع فإنّهم سينسفون المدينة ويهدمون داره على من فيها . فقال أحد أصحاب السيّد ( رحمة الله ) : « سيّدنا الكريم ، إنّ هؤلاء لا عهد لهم ، وإنّهم غدرة فجرة ، وهذه مكيدة أمن » . ولكنّ هذا الوجيه أخذ يلحّ على السيّد وأن لا يأخذ بكلام الشباب والمراهقين والأطفال .
كتب السيّد شبّر ( رحمة الله ) وصيّته وبعض الكلمات في تلك العجالة ولبس عباءته وأمسك بعضاه وفتح الباب ، وما إن وضع رجله خارج البيت حتّى دخلوا وكسروا محتويات البيت وأطلقوا النار على مكتبته الكبيرة التي أحرقوها لاحقاً ، كما وضربوا المؤمنين بالأسلاك الحديديّة والحجارة وضربوا حفيدة السيّد ( رحمة الله ) الصغيرة التي كانت وحيدةً في البيت مع جدّها .
وسيق السيّد شبّر ( رحمة الله ) مع عشرين رجلًا في سيّارة ( بيك أب ) ووضعت العجلات الاحتياطيّة فوقهم ، والبعثيّون يصفّقون ويرقصون ويطلقون النار في الهواء ، واقتيد المعتقلون إلى الكوت حيث أجري معهم تحقيقٌ سريع .
وفي اليوم الثاني من وصول السيّد وأنصاره إلى مدينة الكوت تمّ نقلهم في سيّارة مقفلة إلى مديريّة الأمن العامّة في بغداد ، وقد اصطفّ رهطٌ من رجال الأمن على الجانبين يحملون الأسلاك . ثمّ تقدّم أحد مدراء الأمن وكان يحمل ملفّاً يتكون من خمسمائة صفحة ، وأخذ يتجرّأ على السيّد ( رحمة الله ) ويبصق عليه ويقول : « هذه مصائبك ومشاكلك ضدّ الثورة يا سيّد قاسم ، هذه الإضبارة يا سيّد قاسم تحتوي على تقارير [ عشر ] سنوات » .
ثمّ بدأوا يضربونه من الجانبين إلى أن أدخلوهم في كاراج للسيّارات أرضه مطليّة بالنفط الأسود . وفي البداية أسمعوهم شريطاً للسيّد في أحد احتفالات الكاظميّة يتحدّث فيها عن السلطة الجائرة ويقول : « إنّ من مكاسب الحزب في النعمانيّة هو فتح بار للمشروبات لإفساد الشبيبة » ، ثمّ التفت المدير إلى السيّد شبّر ( رحمة الله ) قائلًا : « أيّها الرجعي ! سننهي حياتك » ، فأجابه ( رحمة الله ) :
إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا
« 1 »
.
هامش
( 1 ) طه : 72 .