من عبد الرحمن بن عوف صحيحاً ؟ لو تركنا كلّ نصوص الرسول ، لو تركنا حديث الغدير ، حديث الثقلين ، لو تركنا كلّ ذلك ، لكن بمنطق حبّ الله وحبّ الدنيا ، بمنطق الحرص على الإسلام ، بمنطق الغيرة على الدين وعلى المسلمين ، أكان هذا الموقف من عبد الرحمن بن عوف سليماً : أن يطرح يد علي مبسوطة دون أن يبايعها ، ويبايع إنساناً غير جدير بأن يتحمّل الأمانة ، أن يبايع عثمان بن عفان ؟
إذن المسألة هنا ليست فقط مسألة نصّ ، وإنّما المسألة هنا مسألة حبّ الدنيا ، مسألة خيانة الأمانة ؛ لأنّ حبّ الدنيا يعمي ويصمّ . حبّ عبد الرحمن بن عوف للدنيا أفقد الصلاة معناها ، أفقد الصيام معناه ، أفقد شهر رمضان معناه ، أفقد كلَّ شيء مغزاه الحقيقي ومحتواه النبيل الشريف .
« حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة » وحبّ الله سبحانه وتعالى أساس كلّ كمال ، حبُّ الله هو أساس كلّ كمال ، حبّ الله هو الذي يعطي للإنسان الكمال ، العزّة ، الشرف ، الاستقامة ، النظافة ، القدرة على مغالبة الضعف في كلّ الحالات . حبّ الله سبحانه وتعالى هو الذي جعل أولئك السحرة يتحوّلون إلى روّاد ، إلى روّاد على الطريق ، فقالوا لفرعون :
فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا
« 1 » . كيف قالوا هكذا ؟ لأنّ حبّ الله اشتعل في قلوبهم ، فقالوا لفرعون بكلّ شجاعة وبطولة :
فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا .
حبّ الله هو الذي جعل علياً عليه الصلاة والسلام دائماً يقف مواقف الشجاعة ، مواقف البطولة . هذه الشجاعة ، شجاعة علي ليست شجاعة السباع ، ليست شجاعة الأسود ، وإنّما هي شجاعة الإيمان وحبّ الله ، لماذا ؟ لأنّ هذه الشجاعة لم تكن فقط شجاعة البراز في ميدان الحرب ، بل كانت أحياناً شجاعة الرفض ، أحياناً شجاعة الصبر .
علي بن أبي طالب ضرب المثل الأعلى في شجاعة المبارزة في ميدان الحرب . شدّ حزامه وهو ناهز الستّين من عمره الشريف وهجم على الخوارج وحده ، فقاتل أربعة آلاف إنسان . هذه قمّة الشجاعة في ميدان المبارزة ؛ لأنّ حبّ الله أسكره ، فلم يجعله يلتفت إلى أنّ هؤلاء أربعة آلاف وهو واحد .
وضرب قمّة الشجاعة في الصبر ، في السكوت عن الحقّ ، حينما فرض عليه الإسلام أن يصبر عن حقّه وهو في قمّة شبابه ، لم يكن في شيخوخته ، كان في قمّة شبابه ، كانت حرارة الشباب ملء وجدانه ، ولكنّ الإسلام قال له : اسكت ، اصبر عن حقّك حفاظاً على بيضة الدين ، ما دام هؤلاء يتحمّلون حفظ الشعائر الظاهريّة للإسلام وللدّين . سكت ما دام هؤلاء كانوا يتحفّظون على الظواهر والشعائر الظاهريّة للإسلام والدين ، وكان هذا قمّة الشجاعة في الصبر أيضاً . هذه ليست شجاعة الأسود ، هذه شجاعة المؤمن الذي أسكره حبّ الله .
وكان قمة الشجاعة في الرفض وفي الإباء حينما طرح عليه ذلك الرجل أن يبايعه على شروط
تخالف كتاب الله وسنّة رسوله بعد مقتل الخليفة الثاني ، ماذا صنع هذا الرجل العظيم ؟ هذا الرجل العظيم الذي كان يحترقلأنّ الخلافة ذهبت من يده ، يحترق من أجل الله لا من أجل نفسه ، يقول : « [ أما ] و [ الله ] لقد تقمّصها ابن أبي قحافة وهو يعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرّحى » « 2 » . هذا الرجل الذي كان يحترق ؛ لأنّ الخلافة خرجت من يده . لو أنّ إنساناً يقرأ هذه العبارة وحدها يقول : ما أكثر شهوة هذا الرجل إلى السلطان وإلى الخلافة ! لكن هذا الرجل نفسه ، هذا الرجل بذاته عرضت عليه الخلافة ، عرضت عليه رئاسة الدنيا فرفضها ، لا لشيء إلّا لأنّها شرطت بشرط يخالف كتاب الله وسنّة رسوله .
هامش
( 1 ) طه : 72
( 2 ) نهج البلاغة : الخطبة 3 .