شرب منها ، من ازداد شرباً من ماء البحر ازداد عطشاً » « 1 » ) . كلّما شرب أكثر فأكثر من ماء البحر أصبح أكثر عطشاً . لا تقل : فلآخذ هذه الحفنة من الدنيا ثمّ أنصرف عنها ، فلأحصل على هذه المرتبة من جاه الدنيا ثمَّ أنصرف إلى الله . ليس الأمر كذلك ، فإنّ أيّ مقدار تحصل عليه من مال الدنيا ، من جاه الدنيا ، من مقامات هذه الدنيا الزائلة ، سوف يزداد بك العطش والنهم إلى المرتبة الأخرى : « الدنيا كماء البحر » ، « الدنيا رأس كلّ خطيئة » .
رسول الله ( ص ) يقول : « من أصبح وأكبر همّه الدنيا فليس له من الله ، فليس له من الله شيء » « 2 » . هذا الكلام يعني قطع الصلة مع الله ، يعني أنّ ولاءين لا يجتمعان في قلب واحد » . من كان ولاؤه للدنيا ، « من أصبح وكان أكبر همّه الدنيا فليس له من الله شيء » ، ليس له صلة مع الله سبحانه وتعالى ؛ لأنّ ولاءين لا يجتمعان في قلب واحد .
« حبّ الدنيا رأس كل خطيئة » ؛ لأنّ حبّ الدنيا هو الذي يفرّغ ، يفرغ الصلاة من معناها ، يفرغ الصيام من معناه ، يفرغ كلّ عبادة من معناها ، ماذا يبقى من معنى لهذه العبادات إذا استولى حبّ الدنيا على قلب الإنسان ؟
أنا وأنتم نعرف أنّ أولئك الذين نؤاخذهم على ما عملوا مع أمير المؤمنين ، أولئك لم يتركوا صلاة ، ولم يتركوا صياماً ، ولم يشربوا خمراً ، على الأقلّ عددٌ كبيرٌ منهم لم يقوموا بشيء من هذا القبيل ، لكنّهم مع هذا ما هي قيمة هذه الصلاة ، وما هي قيمة هذا الصيام ، وما هي قيمة العفّة عن شرب الخمر إذا كان حبّ الدنيا هو الذي يملأ القلب ؟
ما قيمة صلاة عبد الرحمن بن عوف ؟ عبد الرحمن بن عوف كان صحابيّاً جليل القدر ، كان من السابقين إلى الإسلام ، كان ممّن أسلم والناس كفّار ومشركون . تربّى على يد رسول الله ( ص ) . عاش مع الوحي ، مع القرآن ، مع آيات الله تترى ، لكن ماذا دهاه ؟ ماذا دهاه حينما فتح الله على المسلمين بلاد كسرى وقيصر ، وكنوز كسرى وقيصر ؟ ماذا دهى هذا الرجل المسكين ؟ هذا الرجل المسكين ملأ قلبه حبّ الدنيا . كان يصلّي وكان يصوم ، ولكن ملأ قلبه حبّ الدنيا حينما وقف في خيار واحد بين عثمان وعلي : إمّا أن يكون عثمان خليفة المسلمين وإمّا أن يكون علي خليفة المسلمين ، وهو يعلم أنّه لو أعطى هذه الخلافة لعلي لأسعد المسلمين إلى أبد الدهر ، ولكنّه يعلم أيضاً أنّه حينما يعطيها إلى عثمان فقد فتح بذلك « 3 » باب الفتن إلى آخر الدهر ، يعلم بذلك وقد سمع ذلك من عمر نفسه أيضاً ، ولكنّه في هذا الخيار غلب حبّ الدنيا على قلبه . ضرب على يد عثمان وترك يد عليٍّ مبسوطة تنتظر من يبايع . جعل عثمان خليفة ، وأقصى عليّاً عن الخلافة « 4 » .
قد تقولون : إنّ هذه معصية ، هذا كترك الصلاة ؛ لأنّ رسول الله ( ص ) جعل عليّاً خليفة بعده بلا فصل .
هذا صحيح ، تولّي علي بن أبي طالب أهمّ الواجبات ، ولكن افرضوا - وفرض المحال ليس بمحال - افرضوا أنّ رسول الله لم ينصّ على علي بن أبي طالب ، وفرض المحال ليس بمحال ، لو أنّ رسول الله لم ينصّ على علي بن أبي طالب ، أكان هذا الموقف من عبد الرحمن بن عوف مهضوماً ؟ أكان هذا الموقف
هامش
( 1 ) الكافي 2 : 136 ، الحديث 24 ، وفيه : « مثل الدنيا كمثل ماء البحر ، كلّما شرب العطشان ازداد عطشاً حتّى يقتله »
( 2 ) مجموعة ورام 1 : 130 ، وفيه : « من أصبح والدنيا أكبر همّه فليس من الله في شيء » ؛ وانظر قريباً منه في : الكافي 2 : 319
( 3 ) في ما نشر إلى الآن : « فتح بذلك باب . . » ، وفي المحاضرة الصوتيّة عدم وضوح ، ولكن فيها : « . . فقد فتح في بلاد ( غير واضح ) الفتن . . »
( 4 ) انظر : تاريخ اليعقوبي 2 : 55 ؛ تاريخ الطبري 3 : 610 .