تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
ينشغلون بوجبة طعام ، بمتعة من المتع المباحة ، بلقاء مع صديق ، بتنزّه في شارع ، ولكن يبقى هذا هو المحور الذي يرجعون إليه بمجرّد أن ينتهي هذا الاشتغال الطارئ . وأمّا الدرجة الثانية فهي الدرجة التي يصل إليها أولياء الله من الأنبياء والأئمة عليهم أفضل الصلاة والسلام . علي بن أبي طالب الذي نحظى بشرف مجاورة قبره ، هذا الرجل العظيم ، كلّكم تعرفون ماذا قال ، هو الذي قال بأنّي ما رأيت شيئاً إلّا ورأيت الله معه وقبله وبعده وفيه « 1 » ؛ لأنّ حبّ الله في هذا القلب العظيم استقطب وجدانه إلى الدرجة التي منعه من أن يرى شيئاً آخر غير الله ، حتّى حينما كان يرى الناس ، كان يرى فيهم عبيد الله ، حتّى حينما كان يرى النعمة الموفورة ، كان يرى فيها نعمة الله سبحانه وتعالى . دائماً هذا المعنى الحرفي « 2 » ، هذا الربط بالله ، دائماً وأبداً يتجسّد أمام عينه ؛ لأنّ محبوبه الأوحد ، ومعشوقه الأتبل ، قبلة آماله وطموحاته ، لم يسمح له بشريكٍ في النظر ، فلم يكن يرى إلّا الله سبحانه وتعالى . هذه هي الدرجة الثانية . نفس التقسيم الثنائي يأتي في حبّ الدنيا ، في حبّ الدنيا الذي هو رأس كلّ خطيئة على حدّ تعبير رسول الله ( ص ) . حبّ الدنيا يتّخذ درجتين : الدرجة الأولى : أن يكون حبّ الدنيا محوراً للإنسان ، قاعدةً للإنسان في تصرّفاته وسلوكه . يتحرّك حينما تكون المصلحة الشخصيّة في أن يتحرّك ، ويسكن حينما تكون المصلحة الشخصيّة في أن يسكن . يتعبّد حينما تكون المصلحة الشخصيّة في أن يتعبّد ، وهكذا . الدنيا تكون هي القاعدة ، لكن أحياناً أيضاً يمكن أن يفلت من الدنيا . يشتغل [ أشغالًا ] أخرى نظيفة طاهرة . قد يصلّي لله سبحانه وتعالى ، قد يصوم لله سبحانه وتعالى ، لكن سرعان ما يرجع مرّة أخرى إلى ذلك المحور وينشدّ إليه . فلتات يخرج بها من إطار ذلك الشيطان ثمّ يرجع إلى الشيطان مرّة أخرى . هذه درجه أخرى من هذا ، درجة أولى من هذا المرض الوبيل ، مرض حبّ الدنيا . وأمّا الدرجة الثانية من هذا المرض الوبيل فهي الدرجة المهلكة ، حينما يكون حبّ الدنيا ، حينما يعمي حبّ الدنيا هذا الإنسان ، يسدّ عليه كلَّ منافذ الرؤية ، يكون بالنسبة إلى الدنيا كما كان سيّد الموحّدين وأميرالمؤمنين بالنسبة إلى الله سبحانه وتعالى ( الله ) . . لم يكن يرى شيئاً إلّا وكان يرى الله معه وقبله وبعده . حبّ الدنيا في الدرجة الثانية يصل إلى مستوى بحيث [ إنّ ] الإنسان لا يرى شيئاً إلّا ويرى الدنيا [ فيه ] و [ قبله ] و [ بعده ] و [ معه ] . حتّى الأعمال الصالحة تتحوّل عنده وبمنظاره إلى دنيا ، تتحوّل عنده إلى متعة ، إلى مصلحة شخصيّة ، حتّى الصلاة ، حتّى الصيام ، حتّى البحث ، حتّى الدرس ، هذه الألوان كلّها تتحوّل إلى دنيا . لا يمكنه أن يرى شيئاً إلّا من خلال الدنيا ، إلّا من خلال مقدار ما يمكن لهذا العمل أن يعطيه ، يعطيه من حفنة مال أو من كومة جاه . لا ، لا يمكن أن يستمرّ معه إلّا بضعة أيّام معدودة . هذه هي الدرجة الثانية . وكلٌّ من الدرجتين مهلكة ، والدرجة الثانية أشدّ هلكة من الدرجة الأولى ، ولهذا قال رسول الله ( ص ) : « حبّ الدنيا رأس كلِّ خطيئة » « 3 » ، قال الإمام الصادق عليه الصلاة والسلام : « الدنيا كماء البحر من
هامش
( 1 ) وردت هذه المقولة بكثرة في كتب العرفاء وفي بعض المجاميع الروائيّة والتفسيريّة ، ولم نجدها مسندةً في أيّ مصدرٍ ( انظر مثلًا : شرح أصول الكافي للمازندراني 3 : 83 ) ، بل نسبت في بعض المصادر إلى أبي بكر ( انظر مثلًا : الفتوحات المكيّة 1 : 584 ، 2 : 356 ، 454 ، 514 ، 567 ، 3 : 116 ، 147 ، 239 ، 4 : 7 ، 56 ) . وقد نقلت تارةً كاملة - كما في المتن - وأخرى ناقصة ( 2 ) مراده المعنى الحرفي المسطور في علم الأصول ، وهو عبارة عن النسبة المتقوّمة بطرفيها ( 3 ) مستدرك الوسائل 12 : 45 ، وانظر عنهم : الكافي 2 : 130 ، 315 ، 316 .