تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
عليّ مع الله سبحانه وتعالى فيوفّيه حسابه ويعطيه أجره ، يعوّضه عمّا تحمّل من شدائد ، عمّا قاسى من مصائب . أليس هذا الإمام هو مثلنا الأعلى ؟ أليست حياة هذا الإمام هي السنّة ؟ أليست مصادر التشريع عندنا الكتاب والسنّة ؟ أليست السنّة هي قول المعصوم وفعله وتقريره « 1 » ؟ نحن أولى الناس بأن نحذر من حبّ الدنيا ؛ لأنّه لا دنيا عندنا لكي نحبها . ماذا نحبّ ؟ نحبّ الدنيا ؟ ! [ نحن ] الطلبة ! ما هي هذه الدنيا التي نحبّها ونريد أن نغرق أنفسنا فيها ونترك رضواناً من الله أكبر ؟ نترك ما لا عين رأت ولا أذنٌ سمعت ولا اعترض على خيال بشر « 2 » ، ما هي هذه الدنيا ؟ هذه الدنيا دنيانا هي مجموعة من الأوهام ، كلُّ دنيا وهم ، لكنّ دنيانا أكثر وهماً من دنيا الآخرين ، مجموعة من الأوهام . ماذا نحصل من الدنيا إلّا على قدر محدود جدّاً ؟ لسنا نحن أولئك الذين نهبوا أموال الدنيا وتحدّثنا عنهم قبل أيّام ، لسنا نحن أولئك الذّين تركع الدنيا بين أيدينا لكي نؤثر الدنيا على الآخرة . دنيا هارون الرشيد كانت عظيمة . قيسوا أنفسنا ، نقيس أنفسنا بهارون الرشيد . هارون الرشيد نسبُّه ليلًا نهاراً ؛ لأنّه غرق في حبّ الدنيا ، لكن تعلمون أيّ دنيا غرق فيها هارون الرشيد ، أيّ قصور مرتفعة عاش فيها هارون الرشيد ، أيّ بذخٍ وترفٍ كان يحصل عليه هارون الرشيد ، أيّ زعامة وخلافة وسلطان امتدّ مع أرجاء الدنيا حصل عليه هارون الرشيد ؟ هذه دنيا هارون الرشيد . نحن نقول بأنّنا أفضل من هارون الرشيد ، أورع من هارون الرشيد ، أتقى من هارون الرشيد ، آ عجباً ! نحن عُرضت علينا دنيا هارون الرشيد فرفضناها حتّى نكون أورع من هارون الرشيد ؟ يا أولادي ، يا إخواني ، يا أعزّائي ، يا أبناء علي ، هل عرضت علينا دنيا هارون الرشيد ؟ لا ، عرض علينا ، عرض علينا دنيا هزيلة محدودة ضئيلة ، دنيا ما أسرع ما تتفتّت ، ما أسرع ما تزول ، دنيا لا يستطيع الإنسان أن يتمدّد فيها كما كان يتمدّد هارون الرشيد . هارون الرشيد يلتفت إلى السحاب يقول لها : أينما تمطرين يأتيني خراجك « 3 » . في سبيل هذه الدنيا سجن موسى بن جعفر . هل جرّبنا أنّ هذه الدنيا تأتي بيدنا ثمّ لا نسجن موسى بن جعفر ؟ جرّبنا أنفسنا ، سألنا أنفسنا ، طرحنا هذا السؤال على أنفسنا ، كلّ واحد منّا يطرح هذا السؤال على نفسه ، بينه وبين الله : أنّ هذه الدنيا ، دنيا هارون الرشيد كلّفته أن يسجن موسى بن جعفر ، هل وضعت هذه الدنيا أمامنا لكي نفكّر في أنّنا أتقى من هارون الرشيد ؟ ما هي دنيانا ؟ هي مسخٌ من الدنيا ، هي أوهام من الدنيا ، ليس فيها حقيقة إلّا حقيقة رضا الله سبحانه وتعالى ، إلّا حقيقة رضوان الله . كلّ طلبة حاله حال علي بن أبي طالب ، إذا كان يعمل للدنيا فهو أتعس الناس ؛ لأنّ أبواب الدنيا مفتوحة ، خاصة إذا كان الطلبة له قابلية ، له إمكانيّة ، له ذكاء ، له قابليات ، هذا أبواب الدنيا مفتوحة له ، إذا كان يعمل للدنيا فهو أتعس الناس ؛ لأنّه سوف يخسر الدنيا والآخرة . لا دنيا الطلبة دنيا ولا الآخرة يحصل عليها . فليكن همّنا أن نعمل للآخرة ، أن نعيش في قلوبنا حبّ الله سبحانه وتعالى بدلًا عن حبّ الدنيا ؛ لأنّه لادنيا معتدّ بها عندنا .
هامش
( 1 ) بحسب تقسيم السيّد الصدر ، فإنّ الأدلّة محرزة وغير محرزة ( أصول عمليّة ) ، والمحرزة شرعيّة وعقليّة ، والشرعيّة لفظيّة وغير لفظيّة . أمّا اللفظيّة فقول المعصوم ، وأمّا غيرها ففعله وتقريره ( 2 ) من لا يحضره الفقيه 1 : 295 ؛ تهذيب الأحكام 6 : 22 . وفيهما : « ولا خطر على قلب بشر » ( 3 ) مآثر الإنافة في معالم الخلافة 1 : 194 ؛ 3 : 224 ، وفيه أنّ هارون الرشيد « كان يستلقي على قفاه وينظر إلى السحابة الحاملة للمطر ، ويقول : اذهبي إلى حيث شئت يأتيني خراجك » .