الموارد الطبيعيّة لبيت المال وتسديد المصارف اللازمة للجهاز مع التسجيل والضبط .
ولا شكّ في أنّ بلوغ الجهاز إلى هذا المستوى من الاتّساع والتخصّص يتوقّف على تطوّر طويل الأمد ، ومن الطبيعي أن يبدأ الجهاز محدوداً وبدون تخصّصات حديّة تبعاً لضيق نطاق المرجعيّة وعدم وجود التدريب الكافي .
والممارسة والتطبيق هو الذي يبلور القابليّات من خلال العمل ، ويساعد على التوسيع والتخصّص .
وثانياً : إيجاد امتداد أفقي حقيقي للمرجعيّة يجعل منها محوراً قويّاً تنصبُّ فيه قوى كلّ ممثّلي المرجعيّة والمنتسبين إليها في العالم ، لأنّ المرجعيّة حينما تتبنّى أهدافاً كبيرة وتمارس عملًا تغييريّاً واعياً في الأمّة ، لا بدّ أن تستقطب أكبر قدر ممكن من النفوذ لتستعين به في ذلك وتفرض بالتدريج وبشكل وآخر السير في طريق تلك الأهداف على كلّ ممثّليها في العالم .
وبالرغم من انتساب كلّ علماء الشيعة تقريباً إلى المرجع في الواقع المعاش يلاحظ بوضوح أنّه في أكثر الأحيان انتساب نظري وشكلي لا يخلق المحور المطلوب كما هو واضح .
وعلاج ذلك يتمّ عن طريق تطوير شكل الممارسة للعمل المرجعي . فالمرجع تأريخيّاً يمارس عمله المرجعي كلّه ممارسة فرديّة ، ولهذا لا تشعر كلُّ القوى المنتسبة إليه بالمشاركة الحقيقيّة معه في المسؤوليّة والتضامن الحاد معه في المواقف ، وأمّا إذا مارس المرجع عمله من خلال مجلس يضمُّ علماء الشيعة والقوى الممثّلة له دينيّاً وربط المرجع نفسه بهذا المجلس فسوف يكون العمل المرجعي موضوعيّاً ، وإن كانت المرجعيّة نفسها بوصفها نيابة عن الإمام قائمة بشخص المرجع ، غير أنّ هذه النيابة القائمة بشخصه لم تحدّد له أسلوب الممارسة وإنما يتحدّد هذا الأسلوب في ضوء الأهداف والمصالح العامّة .
وبهذا الأسلوب الموضوعي من الممارسة يصون المرجع عمله المرجعي من التأثّر بانفعالات شخصه ، ويعطي له بعداً وامتداداً واقعيّاً كبيراً ، إذ يشعر كلُّ ممثّلي المرجع بالتضامن والمشاركة في تحمّل مسؤليّات العمل المرجعي وتنفيذ سياسة المرجعيّة الصالحة التي تقرّر من خلال ذلك المجلس . وسوف يضمُّ هذا المجلس تلك اللجان التي يتكوّن منها الجهاز العملي للمرجعيّة ، وبهذا تلتقي النقطة السابقة مع هذه النقطة .
ولئن كان في أسلوب الممارسة الفرديّة للعمل المرجعي بعض المزايا كسرعة التحرّك وضمان درجة أكبر من الضبط والحفظ وعدم تسرّب عناصر غير واعية إلى مستوى التخطيط للعمل المرجعي ، فإنّ مزايا الأسلوب الآخر أكبر وأهمّ .
ونحن نطلق على المرجعيّة ذات الأسلوب الفردي في الممارسة اسم المرجعيّة الذاتيّة ، وعلى المرجعيّة ذات الأسلوب المشترك والموضوعي في الممارسة اسم المرجعيّة الموضوعيّة .
وهكذا يظهر أنّ الفرق بين المرجعيّة الذاتيّة والمرجعية الموضوعيّة ليس في تعيين شخص المرجع الشرعي الواقعي ، فإنّ شخص المرجع دائماً هو نائب الإمام ، ونائب الإمام هو المجتهد المطلق العادل الأعلم الخبير بمتطلّبات النيابة ، وهذا يعني أنّ المرجعيّة من حيث مركز النيابة للإمام ذاتيّة دائماً وإنّما الفرق بين المرجعيّتين في أسلوب الممارسة .
وثالثاً : امتداداً زمنيّاً للمرجعيّة الصالحة لا تتّسع له حياة الفرد الواحد .
فلا بدّ من ضمانٍ نسبيٍّ لتسلّل المرجعيّة في الإنسان الصالح المؤمن بأهداف المرجعيّة الصالحة ، لئلّا ينتكس العمل بانتقال المرجعيّة إلى من لا يؤمن بأهدافها الواعية . ولا بدّ أيضاً من أن يهيّأ المجال للمرجع الصالح الجديد ليبدأ ممارسة مسئوليّاته من حيث انتهى المرجع العام السابق بدلًا عن أن يبدأ من الصفر ويتحمّل مشاق هذه البداية وما تتطلّبه من جهود جانبيّة ، وبهذا يتاح للمرجعيّة الاحتفاظ
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 507
مساهمون: أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
ص٥٠٧