وبعد فترة من إقامته الصلاة جماعة ، عملت السلطة على تخريب هذا التجمّع وتفريق الجماعة وإغلاق المكتبة « 1 » .
وهنا يشار إلى أنّ السيّد الصدر ( رحمة الله ) كان قد حاول الصلاة جماعةً في الحرم الشريف ، إلّا أنّ ذلك أثار بعض الجهات الحوزيّة ، ممّا دفع به إلى الإقلاع عن الفكرة « 2 » .
أطروحة المرجعيّة الصالحة
كان السيّد الصدر ( رحمة الله ) يعتقد بأنّ من أهم أسباب عدم قدرة وقوف الحوزة في مقابل مخطّطات الشياطين الحاكمة ومؤامراتهم وكيدهم للدين والأمّة ، هو عدم قدرة الحوزة على التجديد والتجدّد ، وعدم الرغبة في الانعتاق عن الأساليب والمناهج التي عمّرت قروناً متطاولة ، وأبناؤها يلوكون نفس المناهج والمقرّرات ، ويدورون في نفس الحلقات ، ويتخلّقون بنفس السلوكيّات ، ويحملون نفس المفاهيم الاجتماعيّة والنظرات الاجتهاديّة في العمل الاجتماعي ، والعلاقة مع السلطة ، وجميع الجدليات الفكريّة الجديدة ، إلى جانب إيمانه العميق بوجود الجوانب الإجابيّة العظيمة التي تختزنها هذه المؤسّسة الدينيّة العريقة ، والذخائر العلميّة والروحيّة والفكريّة الثرّة التي لا تزال الحوزة تتحف بها أجيال الأمّة ، في ماضيها وحاضرها . وكان عازماً على بناء مدن سكنيّة ، وجامعات علميّة ، ومراكز فكريّة ، ومؤسّسات إعلاميّة كبيرة ، كلّها تحت لواء الحوزة وزعاماتها الروحيّة .
وكان ( رحمة الله ) يقول : « [ ليست ] ميادين الطب والهندسة وسائر العلوم المدنيّة بأولى من ميادين وساحات ورثة الأنبياء وأمناء الرسل ومنصةّ خلافة الله في الأرض ، بتلك الطاقات والعقول المبدعة والخبرات المتفتّقة . إنّ بيد أركان الحوزة العلميّة من المقدّرات والإمكانات الماديّة والمعنويّة - إذا ما استُفيد منها بتخطيط سليم ، وذكاء وتوازن - ما يؤهّل هذه الحوزة لصنع جيوش من المفكّرين والمبدعين والقادة الهداة » « 3 » ) .
وفي يومٍ من الأيّام ، استأجر السيّد عبد الهادي الشاهرودي سيّارةً واصطحب السيّد الصدر ( رحمة الله ) والسيّد كاظم الحائري - وربّما السيّد محمود الهاشمي - إلى بساتين الكوفة ، حيث جلسوا للاستراحة .
وفي هذه الجلسة جرى حديثٌ حول المرجعيّة ، وكان هذا الحديث هو بذرة الأطروحة التي أعدّها السيّد الصدر ( رحمة الله ) لاحقاً ، وقد فكّر السيّد الصدر ( رحمة الله ) في الموضوع وقرّر طرحه في مجلسه الاستشاري الذي كان يعقد أسبوعيّاً « 4 » .
وعلى مدى عدّة أسابيع ، بحث السيّد الصدر ( رحمة الله ) أطروحة ما أسماه ( المرجعيّة الصالحة ) و ( المرجعيّة الموضوعيّة ) ، وأردف ذلك ببيان بعض المقترحات التي ينبغي أن تقوم بها المرجعيّة الصالحة .
وبعد انتهائه من هذا البحث أمر السيّدَ كاظم الحائري بكتابة ما جرى فيه ، فامتثل أمره وكتب ما
هامش
( 1 ) خفايا وأسرار من سيرة الشهيد محمّد باقر الصدر : 70
( 2 ) حدّثني بذلك الشيخ أديب حيدر بتاريخ 29 / 7 / 2004 م
( 3 ) وجع الصدر . . ومن وراء الصدر أم جعفر : 173 - 174
( 4 ) حدّثني بذلك السيّد عبد الهادي الشاهرودي بتاريخ 27 / 11 / 2004 م .