وحينما غادر الرسول الأكرم ( ع ) مكّة متوجّهاً إلى المدينة - بذلك الوضع السيّء المتدهور - لم يخطر ببال العوام من الناس وذوي التفكير السطحي حجم المصالح التي ستترتّب على تلك الهجرة ، ولكن عندما وصل المدينة اتّضحت النتائج التي ترتّبت على الهجرة ، واتّضح كيف أنّه ( ع ) استطاع توسيع رقعة الإسلام في المدينة وكسب الأتباع ، ثمّ العودة إلى مكّة بالفتح والظفر آخر الأمر ، بحيث خضع كبار قريش له ( ع ) وقام هو ( ع ) بدوره بإطلاقهم .
والآن ، وإن كان الكثير من الإيرانيّين قد أصبحوا - نتيجة الخلاف بين الحكومات - ثمن الصلح وهجّروا بهذا الشكل المأساوي من هذه البلاد ، إلّا أنّ من الممكن أن تكون هناك مصالح عظيمة في ما حصل ، وهي خافية علينا . وكما أعاد الله تعالى رسوله الأكرم ( ع ) إلى مكّة فاتحاً منتصراً ، فسوف يعيدكم إلى هذه الحوزات وتصبح النجف ذات يوم أقوى من الآن .
إنّنا على ثقة بأنّ الحوزة العلميّة ستعود عاجلًا أم أجلًا إلى سابق حالتها ، وسوف تعود إلى النجف الأشرف - إن شاء الله - إذا عملتم بتكالفيكم الدينيّة والعلميّة .
إنّ العلم مسؤوليّة ثقيلة ، وهي بعهدتكم ، إلّا أنّ مسؤوليّتكم ليست في تعلّم حفنة من الألفاظ والمفاهيم ، بل إنّ المسؤوليّة التي أوكلت إليكم هي حفظ الإسلام وأحكامه ، فأنتم الأمناء على الوحي ، وعليكم أن تعكفوا على تهذيب أنفسكم خلال فترة انشغالكم في تحصيل العلوم ، وكما تقومون بنصح غيركم ، فإنّ عليكم إصلاح أنفسكم أيضاً ، ولا تنسوا مسؤوليّاتكم ، كونوا متصافّين متصالحين فيما بينكم ، اجتنبوا الفئويّة والاختلافات ، كونوا إخوة مع بعضكم ، واعملوا للإسلام بسرائر نقيّة ، وبروح واحدة .
أنتم أهل علم وجميعكم من جذر واحد ، وكلّكم ورق في شجر واحد ، وإذا وفّيتم بعهدكم فإنّ الله موفٍ بعهده ، وسيعيدكم إلى الحوزات مرّة ثانية ، ونلتقي بعضنا مرّة أخرى هنا - إن شاء الله - وحتّى إذا لم أكن موجوداً حينها بينكم - حيث إنّي أطوي الأيّام الأخيرة من عمري - فأنتم موجودون وسوف تجتمعون هنا مرّة أخرى .
على أيّة حال ، ليس متوقّعاً زوال الحوزة ، الحوزة باقية على حالها ، وبغضّ النظر عن الجوانب المعنويّة والإلهيّة ، فإنّ زوال الحوزات العلميّة غير ممكن في الحقيقة حتّى بالحسابات الطبيعيّة ، لأنّها محطّ اهتمام جميع المسلمين ، وخصوصاً الشيعة منهم ، وظهيرها هم الشعوب ، وما كانت الشعوب ظهيراً له ، فلن تستطيع الحكومات القضاء عليه . الحكومات أعمارها قصيرة ، وظهير النجف هو الشعوب العظيمة ، لذا فستبقى محفوظة .
يدرس حاليّاً في الحوزات طلبة من [ الأفغانيّين ] والباكستانيّين والهنود والعراقيّين وبعض أبناء الدول الأخرى ، فلا قدرة لهذه الحكومة - التي لا يمكن وصفها بالحكومة - على الوقوف بوجه كلّ تلك الشعوب ، وإن استطاعت الوقوف بوجهنا أنا وأنتم .
إذا أبعد الإيرانيّون المحترمون فإنّ على باقي الإخوة من البلدان الأخرى البقاء ومواصلة أداء
مسؤوليّاتهم الدينيّة .
إنّ مثلكم مثل الأفواج العسكريّة التي تخوض حرباً ، فإذا هاجمها العدو وحقّق انتصاراً على فوج منها ، ينبغي على بقية الأفواج الثبات في مواقعها ، وملء خنادق الفوج المنكسر ، وإلّا فإنّ العدو يتمنّى فرار الأفواج العسكريّة الأخرى بانكسار أحدها ، وترك الميدان خالياً .
إنّ على الإخوة من باقي البلدان - والمتواجدين هنا - المرابطة في خنادقهم ومواصلة التحصيل العلمي وتهذيب النفس ، وحتّى لو ذهب المراجع من هنا ، وذهبت أنا - باعتباري أحد الطلبة - فإنّ على سائر الإخوة البقاء هنا ، وأداء مسؤوليّاتهم .
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 448
مساهمون: أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
ص٤٤٨