وكأنّ المشكلة كانت عند السيّد الصدر ( رحمة الله ) مشكلة سنديّة حيث لم يرد توثيق بحق إسحاق بن يعقوب الواقع في سند التوقيع ، حتّى توصّل ( رحمة الله ) إلى توثيقه لاحقاً « 1 » ، لكن لا عن طريق نظريّة التعويض الرجاليّة كما ذكر السيّد محمّد باقر الحكيم ( رحمه الله ) « 2 » ، وإنّما عن طريق
حساب الاحتمالات وفقاً لما ذكره ( رحمة الله ) في مجلس درسه الأصولي في مقام الاستدلال على حجيّة خبر الواحد بالسنّة سنة 1385 ه - :
« ومنها : ما رواه الشيخ في كتاب الغيبة عن جماعة ، عن جعفر بن محمّد بن قولويه وأبي طالب الزّراري وغيرهما كلّهم عن محمّد بن يعقوب ، عن إسحاق بن يعقوب ، قال : « سألت محمّد بن عثمان أن يوصل لي كتاباً سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ ، فورد التوقيع بخطّه : « أمّا ما سألت عنه أرشدك اللَّه وثبّتك » إلى أن قال : « وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة [ حديثنا ] فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة اللَّه » .
والإرجاع إلى الرّواة في تلك الحوادث إمّا هو إرجاع إليهم باعتبار كونهم مخبرين عن الرواية المتعلّقة بالحادثة ، وإمّا إرجاع إليهم باعتبار كونهم مستنبطين لحكم الحادثة من الرواية ، وإمّا إرجاع إليهم باعتبار كونهم حكّاماً وولاة في مقام حلّ المشكلات التي نجمت عن تلك الحادثة ، وتماميّة دلالة الرواية متوقّفة على أحد أمور ثلاثة :
1 - استظهار الإرجاع بالمعنى الأوّل منها .
2 - تتميم إطلاقها للإرجاع بتمام أقسامه .
3 - دعوى الملازمة بين الأوّل وبين ما فرضت دلالة الرواية عليه من المعنى الثاني أو الثالث .
وهذا بحث مفصّل مرتبط بمسألة ولاية الحاكم الشرعي .
فإن أتممنا دلالة هذه الرواية بأحد هذه الوجوه الثلاثة تكون مؤيّدة للرواية الأولى .
ولولا نقص واحد فيها لكانت أيضاً قطعيّة تقريباً أو تحقيقاً ، فإنّه يرويها الشيخ في كتاب الغيبة عن جماعة عن جماعة عن الكليني ، ومن المستبعد جدّاً بحساب الاحتمالات تواطؤ كلّ من الجماعتين على الكذب ، خصوصاً أنّ هناك طريقاً آخر إلى الكليني وهو طريق الصدوق عن محمّد بن محمّد بن عصام - الذي لم يثبت توثيقه - عن الكليني ، فهذا يدعم الطريق الأوّل ، فيكون صدور هذه الرواية من الكليني مورداً للاطمئنان الشخصي . والكليني يروي هذه الرواية عن الإمام ( ع ) بواسطة واحدة ، وهذا يوجب قوّة هذه الرواية . إلّا أنّ نقطة الضعف فيها هي أنّ تلك الواسطة - وهو إسحاق بن يعقوب - لم يشهد بوثاقته . نعم هو شخص حدّث الكليني بورود توقيع إليه من صاحب الزمان عجّل اللَّه تعالى فرجه الشريف ، ولا
هامش
( 1 ) البعض قد لا يتوقّف كثيراً عند تصحيح مجموعة من الروايات أو عدمه من أجل تبنّي ولاية الفقيه ، وهناك إشكالٌ مثارٌ ومفاده أنّه لا يعقل أن يكون القول بولاية الفقيه - وهي نظريّة واسعة تفترض وجود دولة إسلاميّة أو تسعى إلى تحقيقها - متوقّفاً على توثيق شخصٍ ورد في رواية . ومن هنا يلتزم بعض القائلين بالولاية بأنّ دليلهم ليس الروايات بالدرجة الأولى وإنّما هي بمثابة المؤيّد ، ويقولون إنّ عدم وفرة الروايات راجعٌ إلى وضوح الأمر ، بينما يتمسّك الفريق الآخر بالدليل نفسه - عدم وفرة الروايات - لنفي الولاية ، إذ لو كانت ثابتة لتظافرت حولها الروايات
( 2 ) النظريّة السياسيّة عند الشهيد الصدر : 253 . ويبدو أنّ السيّد الحكيم ( رحمه الله ) قد عدل عن هذه الفكرة لاحقاً ، حيث لم يذكرها لدى إعادة نشر البحث نفسه في مكان آخر ( نظريّة العمل السياسي عند الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر : 235 ) ، وقد نبّه إلى ذلك السيّد محمّد الحسيني ( محمّد باقر الصدر . . حياة حافلة . . فكرٌ خلّاق : 335 ) .