وهنا اعتباران للحوزة :
اعتبار ذاتي ينظر فيه إلى الأفراد بما هم أفراد ، واعتبار وظيفي ينظر لعلاقات الحوزة مع الأمّة وكيفيّة ممارسة الحوزة لوظيفتها على مسرح العمل مع الأمّة .
[ إنّ ] أي عمليّة إصلاح جادّة يجب أن لا تقصر نظرها على الجانب الذاتي ، يعني أن تنظر إلى الحوزة
كأفراد ، بل يجب أن تنظر إلى الحوزة كأفراد وفي نفس الوقت تنظر إلى الحوزة باعتبار جانبها الوظيفي ، باعتبار وظيفتها الدينيّة ومسؤوليّاتها أمام الله تعالى ، وذلك لعدّة اعتبارات :
أوّلًا : إنّ الوجود الوظيفي للحوزة أهمّ بمراتب من الوجود الأفرادي للحوزة ، يعني : [ أفراد ] الحوزة إذا لاحظناهم باعتبارهم أفراداً فهم لهم قيمة بمقدار كونهم مجموعة من الأفراد ، أمّا قيمتهم الحقيقيّة والأهمّيّة الكبيرة التي تكمن في عمليّة إصلاح الحوزة في الواقع إنّما تكمن في جانب الوجود الوظيفي ، يعني في جانب أنّ الحوزة جهاز من أجهزة الإسلام يعمل في الأمّة الإسلاميّة . الجهاز يعمل ويرتبط مع المسلمين .
بهذا اللحاظ توجد هناك أهميّة كبيرة لإصلاح الحوزة ، وإلّا بقطع النظر عن هذا الجانب [ فلو ] نظرنا [ إليهم ] كأفراد ، فهذه العمليّة الإصلاحيّة لا ينبغي أن تتميّز بدرجة من الأهمّيّة بحيث تجعلها تنفرد بهذا النحو من التفرّد عن عمليّة إصلاح أيّ أفراد آخرين في الأمّة الإسلاميّة .
إذاً فلا بدّ لنا في عمليّة الإصلاح [ أن ننظر ] إلى أهمّ الوجودَين وأضخم المسؤولين ، وأهمّ الوجودَين في حساب الإسلام هو الجانب الوظيفي لا الوجود الذاتي للأفراد .
إذاً فعمليّة الإصلاح الذي يمكن به تحقيق أكبر مقدار ممكن من الحفظ للإسلام ، هذه العمليّة لو تناست الوجود الوظيفي ونظرت إلى الحوزة باعتبار الوجود الذاتي وصارت في مقام إصلاح ذواتها فيقيّدون ويعوّدون على الإتيان بالواجبات وترك المحرّمات والإتيان بالمستحبّات والترفّع عن بعض المباحات فهذا يؤدّي إلى نوع من الكمال في هذه الأفراد [ ويحقّق ] بذلك مكسباً للإسلام على مستوى وجود هذا الفرد ووجود ذاك الفرد ، لكن لا يحقّق ذلك المكسب الإسلامي المفروض من إصلاح للحوزة بما هو جهاز وبما هو وجود فعّال في خدمة الإسلام ، لأنّ هذا يبقى جانبه الوظيفي [ معطّلًا ] بحسب الحقيقة .
وتخيُّل أنّ إصلاح الجانب الذاتي يكفي لإصلاح الجانب الوظيفي ، يعني دعوى لزوم التضامن ومعلوليّة وعلّيّة بين هذين الجانبين ، وأنّه إذا صلح ذاتاً صلح وظيفةً ، هذه الدعوى غير صحيحة في الواقع .
نعم ، لا شكّ في أنّ الإصلاح الذاتي هو أحد شروط الإصلاح الوظيفي ، فلهذا نحن قلنا في البداية بأنّنا لا نريد أن نقول بأنّ عمليّة الإصلاح تختصّ بأحد الوجودين وإنّما تختصّ بكلا الوجودين ، إصلاح الوجود الذاتي هو أحد شرائط إصلاح الوجود الوظيفي لأنّ الإنسان إذا لم يكن في نفسه طيّب النفس منفتحاً على الخير وعلى الطاعة حينئذٍ من العسير أن يكون أداة طاعة بالنسبة إلى الأخير .
هذا صحيح ، ولكنّ هذا لا يكفي لإصلاح الوجود الوظيفي ، فإنّ الوجود الوظيفي بحاجة إلى نوع من الثقافة والتوعية الفكريّة أوّلًا ، وهذا النوع من التوعية الفكريّة والاطّلاعات نحن نحتاج أن تكون اطّلاعات موحّدة ، يعني هذه الحوزة نصف الأمّ ثمّ الأمّ بمراحلها الثلاثة لا بدّ أن تنمو وعياً واطّلاعاً موحّداً تجاه هذا الجانب حتّى تترابط و [ يحلّ ] بعض مشاكلها بعضها الآخر لا أنّها تكون في حالة تناقض وفي حالة الاختلاف في الأذواق .
إذاً فلا بدّ إلى جانب بناء الإنسان الصالح ذاتيّاً أن يبنى فيه الصلاح وظيفيّاً أيضاً ، بأن يوعّى ويثقّف على دورهم الوظيفي وعلاقاتهم مع الأمّة الإسلاميّة .
هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى فإنّ الصلاح الذاتي لا يكفي لخلق عصمة ومناعة لعدم الانحراف في خطّ العمل الوظيفي ، فإنّ الصلاح الذاتي الذي يتمثّل في حدود معيّنة ، في الطاعة والعبادة والدعاء ونحو
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 251
مساهمون: أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
ص٢٥١