الدكتاتوريّات الحزبيّة ، وقد كان من ذلك قانون الخدمة الإلزامي للمواطن الذي ينصّ على أنّه « يحقّ لمجلس قيادة الثورة بإلزام أيّ مواطن مهما كان عمره ومكانته بأيّ عمل يقرّره المجلس في أيّ مكان وفي أيّ وقت إزاء راتبٍ يومي ، سواء في ذلك الموظّف وغيره » . ومعنى ذلك مصادرة حريّة العمل والسكن بكلّ معنى الكلمة ، ممّا لم يعهد له مثيل في أيّ قانون في أيّ بلد من بلاد العالم .
ولم يقتصر الحزب على مثل هذه القرارات الجائرة في مصادرة حريّات الأمّة ، وإنّما قام بعد ذلك بإرهاقها بالضرائب الثقيلة التي شملت كافّة الحاجات الاستهلاكيّة الأوليّة وأدّت إلى ارتفاع الأسعار بصورة مضاعفة في بعض الأحيان ، ممّا أدّى إلى تجميد حركة التجارة في الأسواق ، وانتشار الفقر في الأمّة وبين المواطنين .
ونحن إذ ندعو الحكومة إلى الكفّ عن تشريع هذه القوانين الجائرة وإقرار هذه القرارات الظالمة ، نذكّر المسؤولين أنّ العراق بلدٌ اسلاميٌّ عاش الإسلام عقيدةً وتشريعاً طوال أربعة عشر قرناً من الزمن ، ولا يمكن أن يستجيب بكافّة طبقاته وفئاته لأيّ قرار أو تشريعٍ جائرٍ منحرفٍ عن أصول التشريع الإسلامي الذي أقرّه القرآن الكريم ، ولا يمكن أن يتجاوب مع أيّ انحراف عن شريعة الله .
( 6 )
لقد كان الشعب العراقي يتفاعل مع القضيّة الفلسطينيّة منذ الاحتلال الصهيوني لهذا الوطن السليب بلد القبلة الأولى بكلّ وجوده وكيانه ، وقد كان الجيش العراقي الباسل يقف دائماً في مقدّمة الجيوش العربيّة
على خطّ النار في وجه الصهيونيّة المعتدية ، كما كان العراق في المقدّمة دائماً من تأييد الحركات الفدائيّة الفلسطينيّة ماديّاً ومعنويّاً . وعندما استولى حزب البعث على الحكم في العراق لم يرق لكم سلوك المنظّمات الفدائيّة بأن تلقي بنفسها في أحضان البعث وتتحوّل إلى طبول فارغة للدعاية البعثيّة ، وحينما أفهمتكم المنظّمات الفدائيّة أنّ مسؤوليّتها المصيريّة لا تسمح لها بمثل هذا التردّي والانحراف ، قامت أجهزة البعث بغلق فروع المنظّمات الفدائيّة والقضاء على نشاطها والمنع من جمع التبرّعات النقديّة لمصلحتها .
ومن ثمّ فقد أُسكت صوت ( فتح ) من إذاعة بغداد ، ووجّهت الإذاعة إلى التهريج الإذاعي الفارغ في الدعاية للحزب ومسؤوليّته . ولم يقتصر الحزب على ذلك وإنّما أخذ يستدعي فرق الجيش العراقي المرابط على خطّ النار في الأردن بشجاعة وإيمان للزجّ به في حرب الأكراد وإحراق القرى الكرديّة . وكان نتيجة ذلك مقتل العشرات من الضبّاط والمئات من الجنود في حروب داخليّة لا تجني الأمّة منها أيّة فائدة ، في الوقت الذي كان من الممكن - لو تخلّى الحزب عن عناده الأعمى - أن تحلّ القضيّة الكرديّة حلًّا سليماً « 1 » ، فتسلم العوائل المنكوبة على أبنائها ومعيليها الذي سقطوا صرعى في الشمال والذين يسقطون باستمرار ودون انقطاع كلّ يوم .
ونحن إذ ندعو المسؤولين إلى إعادة الجيش العراقي الباسل إلى خطوط النار في الأردن والسماح بعودة المنظّمات الفدائيّة في العراق بنشاطها السابق وعودة صوت ( فتح ) إلى إذاعة بغداد ، نودّ أن نقول لكم إنّ التهريج الإذاعي الفارغ لا يمكن أن يكفي وحده لعودة الأرض السليبة إلى أصحابها الشرعيّين دون عمل جاد وتضحية صادقة ، وإنّ أيّ تمييع للعمل الفدائي على أيّ مستوى من المستويات يعتبر خيانة للقضيّة الفسطينيّة لا تغتفر .
* * * تلك لمحات خاطفة عن الوضع القائم في العراق والانحراف الذي وصلتم إليه ممّا تحسّونه وتعيشونه . .
هامش
( 1 ) كذا ، ولعلّ المراد « سلميّاً » .