( 2 )
لم تجد المرجعيّة الدينيّة في النجف الأشرف والهيئات العلميّة فيه بدّاً من استنكار الأوضاع الشاذّة التي خلقها حزب البعث في العراق ، وقد كان من مظاهر هذا الاستنكار الكلمة التوجيهيّة التي ألقاها سماحة العلّامة المجاهد السيّد مهدي الحكيم نيابةً عن والده المعظّم سماحة آية الله العظمى السيّد محسن الحكيم دام ظلّه في الصحن العلوي الشريف في حشدٍ هائلٍ من المسلمين للحزب غير حقد الجماهير واشمئزازهم وتنفرّهم من سلوك الحزب وأعماله .
( 3 )
لقد أثار الحزب النعرة الطائفيّة بقصد ، وعَمَدَ بشكل واضح إلى القضاء على الطائفة الشيعيّة وإبعادهم عن كافّة مرافق الدولة والمناصب الحكوميّة ، وقد كان من ذلك حلُّ جمعيّة جامعة الكوفة ، وإلغاء امتيازات المجلّات الدينيّة الصادرة في النجف الأشرف وكربلاء المقدّسة والكاظميّة وبغداد واتّهام رجالها بمختلف التهم الرخيصة . . . في الوقت الذي تكوّن هذه الطائفة نسبة 70 من سكّان العراق على أقلّ التقدير . فمجلس قيادة الثورة لا يوجد فيه فردٌ واحدٌ من الشيعة ، ومجلس الوزراء نسبة الشيعة فيه لا تتجاوز الربع ، والمناصب الحكوميّة والإداريّة لا تحتلُّ منها الشيعة غير نسبة ضئيلة جدّاً ، والألوية التي تسكنها الشيعة معرّضة لأخطار الفيضان والوباء والخراب في حين إنّ غيرها من الألوية موضع اهتمام وعناية كبيرة من قبل الحكومة ، وليس ذلك إلّا إمعاناً في إذلال الشيعة وامتهانهم وإبعادهم عن مجالات الحكم والإدارة ، وقد كان آخر هذا المخطّط الحزبي في القضاء على الوجود الشيعي في العراق محاولة تأميم
العتبات المقدّسة وربطها بالدوائر البعثيّة ومصادرة ما فيها من اجتمع « 1 » لهذا الغرض حيث امتلأت بهم ساحات الصحن الكبيرة والشوارع المحيطة به ، كما كان من مظاهر ذلك مواقف الاستنكار والاحتجاجات الكثيرة التي كانت تقوم بها المرجعيّة في النجف الأشرف والهيئات العلميّة الدينيّة في العراق على أعمال الجهاز الحاكم ، وحملات الإرهاب والتعذيب الظالمة ، وتشريع القوانين الجائرة التي يقوم بها الحزب .
ولم يحسن الحزب - مع الأسف - تقييم موقف العلماء والمرجعيّة الدينيّة في النجف الأشرف في الدفاع عن مصالح الأمّة وحياتها ومصيرها وكرامتها ، وإنّما شاء أن يواجه هذه المواقف الإنسانيّة النبيلة النابعة عن إيمان أصحابها برسالتهم وإخلاصهم لمسؤوليّاتهم بكلّ عنف ووحشيّة وقسوة . فعمد إلى الإساءة إلى زعيم الأمّة وقائدها الكبير سماحة آية الله العظمى السيّد الحكيم دام ظلّه في اتّهام نجله المجاهد السيّد مهدي بتهمة العمالة والجاسوسيّة في محاولةٍ رعناء وقحة للوقيعة بالمرجعيّة والغضّ من قيمتها . كما عمد في الوقت نفسه إلى القضاء على الهيئة العلميّة في النجف الأشرف . وقامت عمليّة تسفير واسعة في نطاق العلماء والطلّاب الإيرانيّين والباكستانيّين بحجج واهية لا تبرّر إطلاقاً مثل هذا العمل اللاإنساني الذي قام به الحزب . وقد تمادى الحزب في الوقاحة والوحشيّة حتّى هاجم المدارس الدينيّة الآمنة ، واختطف الطلّاب واعتقلهم وزجّهم في السجون ، واستعملت معهم مختلف وسائل التعذيب النفسي والجسدي بشكل رهيب ، بما لم يعرف له نظير في تاريخ العراق المعاصر غير أيّام الاحتلال البريطاني الأسود .
كما قام الحزب في هذا الوقت محاولة أخرى لتصفية الحوزة العلميّة الإسلاميّة الكبرى في النجف الأشرف التي يمتدُّ تاريخها إلى عشرة قرون ، وذلك بحملة واسعة لتجنيد الطلّاب العراقيّين على خلاف كلّ الأعراف القانونيّة في إعفاء الطلّاب من التجنيد طيلة مدّة الدراسة .
ولم يقتصر الحزب على هذا القدر في محاولاته الوحشيّة في القضاء على علماء الدين من الشيعة في
هامش
( 1 ) كذا .