تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
سبيل تدعيم المصالح الخاصّة أو في سبيل الدفاع عن هذه المصالح الخاصّة . حينما تتحوّل الاتّجاهات من المصلحة العامّة إلى المصلحة الخاصّة سوف يضطرُّ كلُّ إنسانٍ يعيش في جوٍّ عامرٍ بهذا الاتّجاه ، سوف يضطرُّ كلُّ إنسانٍ إلى التفكير في نفسه ، وإلى الدفاع عن نفسه ، وإلى تثبيت نفسه ، وبذلك نصرف ثمانين بالمائة من قوانا وطاقاتنا داخل الإطار بالمعارك داخل الإطار . كان بالإمكان لو أنّنا نتحلّى بأخلاقيّة الإنسان العامل ، يعني لو كنّا نتحلّى بأخلاقيّة التضحية بالمصلحة الخاصّة في سبيل المصلحة العامّة ، أن نحوّل هذه الثمانين بالمائة للعمل في سبيل الله للعمل بتدعيم الإطار ككلّ لترسيخه ، لتكديسه ، لتوسيعه . وبذلك كنّا نستفيد أيضاً لو كنّا نعقل ، لو كنّا نعقل كنّا نستفيد حتّى بحساب المقاييس العاجلة أيضاً أكثر ممّا نستفيد ونحن نتنازع ونتعارك ونختلف داخل إطارٍ معرّضٍ لخطر التمزّق ، داخل إطار مهدّد بالفناء . إلى متّى نحن نعيش المعركة داخل إطار يحكم عليه بالفناء يوماً بعد يوم ، أو يواجه خطر الفناء يوماً بعد يوم ؟ ! ولا نفكّر في نفس الإطار ! ولا نفكّر في أن نتناسى مصالحنا الصغيرة في سبيل المصلحة الكبيرة ! ! أخلاقيّة الإنسان العامل ، إنّ شروطها هو أن يكون عند الإنسان شعورٌ واستعداد بالتضحية بالمصحلة الصغيرة في سبيل المصلحة الكبيرة ، وهذا ما لا بدّ لنا من ترويض أنفسنا عليه . [ ب - نزعة التجديد في أسباب العمل ] المظهر الثاني من مظاهر أخلاقيّة الإنسان العامل الاتّجاه إلى التجديد في أساليب العمل ، نزعة التجديد في أساليب العمل . نحن عندنا نظريّة وعندنا عمل . النظريّة هي الإسلام ، ولا شكّ ولا ريب أنّ ديننا ثابت لا يتغيّر ولا يتجدّد ، ولا يمكن في يوم من الأيام أن يفترض كون هذا الدين بحاجة إلى تغيير أو تحوير أو تطوير ، لأنّ هذا الدين هو أشرف رسالات السماء وخاتم تلك الأديان الذي ارتضاه الله تبارك وتعالى للإنسان في كلِّ مكان وفي كلِّ زمان ، ولهذا الصيغة النظريّة للرسالة صيغة ثابتة لا تتغيّر ، ولا يمكن أن نؤمن فيها بالتجدّد . من الخطأ ألف مرّة أن نقول بأنّ الإسلام يتكيّف وفق الزمان ، الإسلام فوق الزمان والمكان ، لأنّه من وضع الواضع الذي خلق الزمان والمكان ، فقد قدّر لهذه الرسالة القدرة على الامتداد مهما امتدَّ المكان والزمان . الصيغة النظريّة للإسلام صيغة ثابتة فوق التجدّد ، فوق التغيّر ، لا بدّ لها هي أن تحكم كلَّ عوامل التغيّر وكل عوامل التجدّد ، لا أنّ عوامل التجدّد والتغيّر تحكم الرسالة ، تحكم الإسلام ، بل الإسلام يحكم على كلّ عوامل التجدّد . هذا واضح على مستوى النظريّة ولا بدّ وأن يكون واضحاً عندنا جميعاً . وأمّا العمل في سبيل هذه النظريّة . . العمل الخارجي ، أساليب العمل في هذه الحالة ، في حالة العمل ، كانت لدينا حالة أنا أستطيع أن أسمّيها ( الاستصحابيّة لأساليب العمل ) ، ( حالة النزعة الاستصحابيّة ) . الاستصحاب الذي قرأناه في الأصول طبّقناه على أساليب العمل ، طبّقناه على حياتنا ، فكنّا نتّجه دائماً إلى ما كان ولا نفكّر أبداً في أنّه هل بالإمكان أن يكون أفضل ممّا كان ؟ ! وهذه النزعة الاستصحابيّة إلى ما كان والحفاظ على ما كان يجعلنا غير صالحين لمواصلة مسؤوليّاتنا ، وذلك لأنّ أساليب العمل ترتبط بالعالم ، ترتبط بمنطقة العمل ، ترتبط بالبستان الذي تريد أن تزرع فيه ، وهذا البستان ، هذه الأمّة التي تريد أن تزرع فيها الخير ، التقوى ، الورع ، الإيمان . . هذه الأمّة التي تريد أن تزرع فيها بذور الخير والتقوى والإيمان ، هذه الأمّة ليست لها حالة واحدة . الأمّة اليوم غير الأمّة بالأمس ، غير الأمّة بالأمس في مستواها الفكري ، في مستواها الأخلاقي ، في علائقها الاجتماعيّة ، في أوضاعها الاقتصاديّة ، في كلّ ظروفها ، الأمّة اليوم غير الأمّة بالأمس ، الأمّة اليوم حيث إنّها غير بالأمس لا يجوز