تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
الأنبياء بحسب زعمنا « 1 » ، والأنبياء عالمون من دون عمل ؟ ! فإذا كنّا نحن ورثة الأنبياء فيجب أن نفكّر في أنّنا عالمون لكي نجعل جزءاً من وظيفتنا أن نطرح على أنفسنا ، أن نطرح على أساتذتنا ، أن نطرح على زملائنا ، أن نطرح في كلِّ مكان هذه الأسئلة : ما هو العمل ؟ كيف نعمل ؟ ما هي أساليب العمل ؟ كيف يمكن تجديد أساليب العمل بالشكل الذي ينسجم مع اليوم ؟ مع أمّة اليوم ؟ ! نحن نتعامل مع عالم اليوم لا مع عالم عصر المماليك ، إذن كيف نتعامل مع عالم اليوم ؟ ! هذه مسائل ، هذه أسئلة قد يكون جوابها صعباً في بداية الأمر ، لأنّه ليس هناك مطالعات ، ليس هناك ترويض فكري على الجواب عليها . قد تجد أنَّ الجواب على مسألة أصوليّة سهل ، لأنّ هذا الإنسان الذي تسأله قد درس الأصول عشرين سنة . وأمّا مثل هذه الأسئلة ، حيث إنّها بنفسها أيضاً أسئلة دقيقة ومرتبطة بمدى خبرة الإنسان وتجاربه واطّلاعه على ظروف العالم . . ولهذا قد يجد الصعوبة في الجواب على هذه الأسئلة . لكن هذه الصعوبة لا بدَّ من تذليلها بالبحث والتفكير ومواصلة البحث والتفكير . إذن فلا بدّ وأن نجعل جزءاً من وظيفتنا أن نفكّر دائماً في أنّه كيف نغيّر أساليب العمل ، كيف ننسجم مع وضعنا ، مع بيئتنا . لماذا تعيش الحوزة في هذا البلد مئات السنين ، ثمَّ بعد هذا يظهر إفلاسها في نفس هذا البلد الذي تعيش فيه ؟ ! في نفس هذا البلد الذي تعيش فيه يظهر إفلاس هذه الحوزة ، وإذا بأبناء هذا البلد ، وإذا بأبناء هذا البلد أو ببعض أبناء هذا البلد يظهرون بمظهر الأعداء والحاقدين والحاسدين والمتربّصين بهذه الحوزة ! ! ! ألا تفكّرون في أنَّ هذه جريمتنا قبل أن تكون جريمتهم ؟ في أنّ هذه هي مسؤوليّتنا قبل أن تكون مسؤوليّتهم ؟ لأنّنا لم نتعامل معهم ، نحن تعاملنا مع أجدادهم ولم نتعامل معهم ! فهؤلاء ، هذه الأجيال التي تحقد علينا ، تتربّص بنا اليوم ، تشعر بأنّنا نتعامل مع الموتى ، لا نتعامل مع الأحياء ! ولهذا يحقدون علينا ، ولهذا يتربّصون بنا ، لأنّنا لم نقدّم لهم شيئاً ، لأنّنا لم نتفاعل معهم . أنا منذ سنة ، منذ أكثر من سنة أتحدّث مع الإخوان ، ومع الأعزّاء في أنّ كلَّ واحدٍ من أهل العلم - كلّ واحد يكون عنده قدرة - لو كان يكّون له مجلساً ، مجلساً تبليغيّاً في النجف الأشرف يضمّ خمسة فقط لا أكثر من خمسة ، يضمّ هذا البقّال الذي يشتري منه اللبن ، هذا العطّار الذي يشتري منه السكّر ، هذا الجار الذي يسلّم عليه عندما يخرج من بيته ، يضمّ خمسة . . لو كان كلُّ واحد من أهل العلم عنده مجلس تبليغي في يوم الجمعة بدلًا عن أن يذهب إلى ( الكوفة ) ويسبح من الصبح إلى العصر ، بدلًا عن أن يبذّر الوقت بالمطاردة في الشعر ، بدلًا عن أن يبذّر الوقت في ألف لهو ولهو . . . بدلًا عن كلّ ذلك لو أنّه يستثمر جزءاً من هذا الوقت الذي يهدره لا في غرض معقول ، لو يستثمر جزءاً من هذا الوقت في تكوين مجلسٍ تبليغيٍّ لخمسة من أبناء النجف . . لو أنّ ألف طلبة كلّ واحد منهم يكّون مجلساً تبليغيّاً لخمسة ، لكان لدينا قاعدة شعبيّة مكوّنة من خمسة آلاف ، لأحسَّ الناس من أبناء البلد بأنّنا نتعامل معهم ، أنّنا نفكّر فيهم ، أنّنا نعطيهم ، أنَّ وجودنا مرتبط بوجودهم ، أنَّ حياتنا مصدر خير لهم ، مصدر عطاء لهم . لكنّنا ، لكنّنا لم نتعامل معهم ، ومن الطبيعي أن لا يتعاملوا معنا إذا كنّا لا نتعامل معهم . إذن لا بدّ لنا أن نفكّر في تغيير أساليب العمل ولا بدّ لنا دائماً أن نفكّر فيما هي الأساليب الأفضل والأصح . [ ج - العقلية الرياضيّة والعقليّة الاجتماعيّة ] بقيت هناك نقطة أخرى متمّمة لهذه النقطة لا بدّ لي من إثارتها ، وأظنُّ الوقت انتهى ، على نحو
هامش
( 1 ) إشارة إلى قول الإمام الصادق : « إنّ العلماء ورثة الأنبياء » ( الكافي 32 : 1 ) .
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 186 | أحمد عبد الله أبو زيد العاملي