الاختصار أقولها ، وهي : أنّنا حينما نفكّر في أساليب العمل يجب أن لا نفكّر في أساليب العمل بعقليّة الأصول والفقه ، يجب أن لا نفكّر في أساليب العمل بعقليّة ( الترتّب ) و ( استحالة اجتماع الأمر والنهي ) ، بعقليّة الرياضيّة .
هناك عقليّة رياضيّة ، وهناك عقليّة اجتماعيّة . توجد عقليّتان ، يوجد نوعان من التفكير ، تفكير رياضي ، وتفكير اجتماعي .
التفكير الرياضي : هو التفكير الذي لا يقبل حقيقة من الحقائق إلّا إذا كانت كلُّ نقاط الضعف فيها قد أزيلت بالبرهان ، بالبرهان القوي الواضح الذي لا يقبل الشكَّ والجدال ، إذا كانت النتيجة الرياضيّة واضحة بعد التحليل على مستوى أنّ 4 / 2 + 2 حينئذ تقبل ، وأما إذا لم يكن البرهان الواضح القاطع على صحّتها لا تقبل . هذا هو التفكير الرياضي ، وهذا هو التفكير الذي نعيشه في علم الأصول ، لأنّ كثيراً من قواعد علم الأصول يبنى على أساس البرهنة . لكنَّ هذا التفكير يختلف عن التفكير الاجتماعي ، التفكير الاجتماعي لا يمكن أن نطلب فيه البرهان ، لا يُمكن أن نطلب في التفكير الاجتماعي البرهان .
لنرجع مرّة أخرى إلى ذاك المثال الساذج البسيط حينما نريد أن نغيّر كتاباً دراسيّاً بكتابٍ دراسيٍّ آخر لا يمكن أن نطلب في مقام الامتناع برهاناً رياضيّاً بحيث إنّي أبرهن لك على أنّه لو لم يدرس هذا الكتاب لوقع اجتماع النقيضين ، وأمّا لو درس هذا الكتاب فلا يقع اجتماع النقيضين ، مثل هذا البرهان الرياضي لا يمكن أن يكون في العمل الاجتماعي .
العمل الاجتماعي يقوم على أساس الحدس الاجتماعي ، والحدس الاجتماعي يتكوّن من الخبرة ، والتجربة ومن الاطّلاع على ظروف العالم وملابسات العالم .
إذن فيجب أن نفتح أعيننا على العالم .
إذن يجب أن نعيش الخبرة والتجربة في العالم .
إذن يجب أن نفكّر في أساليب العمل لا بالطريقة التي نفكّر فيها في أساليب الأصول ، نغمض أعيننا ونجلس في الغرفة ونفكّر في أنَّ الترتّب مستحيل أو ممكن .
نعم هذه هي الطريقة المفضّلة في التفكير ، في أنّ الترتّب مستحيل أو ممكن ، أن نجلس في غرفة خالية ونقفل باب الغرفة ثمَّ نفكّر في أنّ الترتّب مستحيل أو ممكن ، لأنّها مسألة نظريّة تنبع من واقع الأمر لا تنبع
من الخارج .
وأمّا العمل الاجتماعي ، فالعمل الاجتماعي يحتاج إلى حدس اجتماعي ، والحدس الاجتماعي يتكوّن من خلال التفاعل مع الناس ، من خلال الاطّلاع على ظروف العالم ، من خلال الاطّلاع على الملابسات ، من خلال الاطّلاع على التجارب التي قام بها الآخرون ، من خلال المقارنة بين أحوالنا وأحوال الآخرين ، من خلال كلّ ذلك يتكوّن هذا الحدس الاجتماعي .
إذن فلكي نكون متّجهين اتّجاهاً صحيحاً في تفكيرنا ، في أساليب العمل ، يجب أن نغيّر من طريقة تفكيرنا ، يعني أن لا نصطنع نفس الطريقة الأصوليّة حينما نفكّر في أساليبب العمل ، وإنّما نعتمد على الحدس الاجتماعي ونفتّش عن كيفيّة تكوين هذا الحدس في أذهاننا ، عن طريق تعميق خبراتنا وتجاربنا .
وفقنا الله وإيّاكم . . . وغفر الله لنا ولكم . . . » « 1 » .
حماية السيّد الصدر ( رحمة الله ) مرجعيّة السيّد محسن الحكيم ( رحمة الله )
في 27 / صفر / 1389 ه - ( 16 / 5 / 1969 م ) « 2 » ، قام السيّد الصدر ( رحمة الله ) وبالتنسيق مع ( جماعة العلماء في
هامش
( 1 ) طابقنا المحاضرة من خلال شريط الكاسيت ، وبينها وبين ما هو منشور يسيرُ اختلاف
( 2 ) انظر : نظريّة العمل السياسي عند الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر : 249 ؛ الإمام الحكيم - الشهيد الصدر وحزب الدعوة الإسلاميّة : 74 ؛ الإمام محمّد باقر الصدر معايشة من قريب : 50 . وقد ذكر آخرون أنّ ذلك كان في 28 / صفر ( سنوات الجمر : 113 ) ، ولكنّ الأوّل أكثر شهرةً ، وقد نقله من عايش تلك المرحلة ، فيكون الاعتماد عليه ، إضافةً إلى ما جاء في : هفت هزار روز ( فارسي ) 365 : 1 ، وهو مصدرٌ دقيق .
ثمّ إنّ بعض الباحثين قد ذكر أنّ ما قام به السيّد الصدر ( رحمه الله ) كان بعد عودته من لبنان ( الحياة السياسيّة للإمام الصدر : 480 ) ، وهو غير صحيح على ما يأتيك من بيانٍ للأحداث .