يجب أن نحاسب أنفسنا ، يجب أن نتأمّل في سلوكنا ، يجب أن نعيش موقفنا بدرجة أكبر من التدبّر والعمق والإحاطة والانفتاح على كلّ المضاعفات والملابسات ، لكي نتأكّد من أنّنا لا نمارس من قريبٍ أو بعيد بشكل مباشر أو بشكلٍ غير مباشر قتل الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام » .
وممّا جاء في الثانية :
« ومن هذا التخطيط يمكننا أن نستفيد درساً عاماً ، وحاصل هذا الدرس : أنّ عمليّة التغيير في أخلاقيّة الأُمّة لا يجوز أن تقوم بأيّ مجابهة واضحة للأخلاقيّة الفاسدة الموجودة في الأُمّة ، لأنّ المجابهة الواضحة الصريحة للأخلاقيّة الفاسدة الموجودة في الأُمّة يكون معناها الانعزال عن هذه الأُمّة والانكماش وعدم القدرة على القيام بعمل مشروع في نظر هذه الأُمّة . حينما نريد أن ننفذ إلى ضمير الأُمّة التي ماعت أخلاقيّاً ، لا بدّ لنا أيضاً في نفس الوقت الذي نفكّر في إنشاء أخلاقيّتها من جديد أن نفكّر في عدم مجابهة الأخلاقيّة القائمة بالشكل الذي يعزل هذا الشخص الذي يريد أن يغيّر أخلاقيّة الأُمّة ، فلا بدّ له أن يفكّر في انتهاج طريق في التغيير يستطيع به أن ينفذ إلى ضمير الأُمّة ، وهو لا يمكنه أن ينفذ إلى ضمير الأُمّة إلّا إذا حافظ باستمرار على معقوليّة ومشروعيّة عمله في نظر الأُمّة ، كما عمل الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام . لم يبقَ لدى شخص من أبناء الأُمّة الإسلامية أيّ شكّ في أنّ عمل الإمام الحسين كان عملًا مشروعاً صحيحاً ، وأنّ عمل بني أُميّة كان عملًا ظالماً عاتياً جبّاراً .
وهذا الوضوح في الرؤية هو الذي جعل المسلمين يدخلون بالتدريج إلى آفاق جديدة من الأخلاقيّة تختلف عن أخلاقيّة الهزيمة ، هذا الوضوح هو الذي هزّ ضمير الإنسان المسلم ، وهو الذي يهزّه إلى يومنا هذا ، فليس دم الإمام الحسين ( ع ) رخيصاً بدرجة يُكتفى فيثمنه بأن يهتزّ ضمير الإنسان المسلم في عصر
واحد أو في جيل واحد ، لا يمكن أن يكون ثمن دم الإمام الحسين ( ع ) أن تتزلزل قواعد بني أُميّة ، أو أن يكشف عن حقيقة بني أُميّة ، أو أن تنتعش ضمائر جيل من أُمّة الإسلام . . . هذا لا يكفي ثمناً لدم الإمام الحسين الطاهر ، بل إنّ ثمن دم الإمام الحسين - الذي هو أغلى دم سفك في سبيل الإسلام - أن يبقى محرّكاً ، منوّراً ، دافعاً ، مطهّراً ، منقّياً على مرّ التاريخ لكلّ أجيال الأُمّة الإسلاميّة ، لا بدّ وأن يهزّ ضميرنا وضمير كلّ واحد منّا اليوم كما كان يهزّ ضمير المسلمين قبل ثلاثة عشر قرناً ، لا بدّ أن يهزّ ضمير كلّ واحد منّا حينما نجابه أيّ موقف من مواقف الإغراء ، أو الترغيب أو الترهيب ، لا بدّ وأن نستشعر تلك التضحية العظيمة حينما نلتفت إلى أنّنا مدعوّون إلى تضحية جزئيّة بسيطة ، حينما يتطلّب منّا الإسلام لوناً من التضحية وقدراً بسيطاً وضئيلًا من التضحية ، لا بدّ وأن نلتفت دائماً إلى ذلك القدر العظيم غير المحدود من التضحية الذي قام به الإمام الحسين ( ع ) لكي نستصغر ، ولكي يتضاءل أمامنا أيّ قدر نواجهه في حياتنا ونكلّف أنفسنا بالقيام به في سبيل الإسلام .
إنّ الإسلام اليوم يتطلّب منك قدراً قليلًا من التضحية بوقتك ، براحتك ، بمصالحك الشخصيّة ، برغباتك ، بشهواتك ، في سبيل تعبئة كلّ طاقاتك وإمكانيّاتك وأوقاتك لأجل الرسالة . أين هذه التضحية من تلك التضحية العظيمة التي قام بها الإمام الحسين ( ع ) ؟ ! من تضحيته بآخر قطرة من دمه ، بآخر شخص من ذرّيته ، بآخر كرامة من كراماته بحسب مقاييس الإنسان الدنيوي ؟ !
لا بدّ أن نعيش دائماً هذه التضحية ، ونعيش دائماً مدلول هذا الدم الطاهر لكي يكون ثمن دم الإمام الحسين حيّاً على مرّ التاريخ .
غفر الله لنا ولكم » .
وفي هذه الفترة أيضاً طلب بعضٌ من طلبة السيّد الصدر ( رحمة الله ) عقد جلسة خاصّة ليلة الخميس في
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 163
مساهمون: أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
ص١٦٣