ولكنّي ومع كلّ هذا أشعر بوحشة ووحدة . نعم ؛ وحشة روحيّة ووحدة فكريّة ، فأنت تعرفين لبنان وأوضاعها وتعرفين آمنة وأفكارها ومُثُلها التي لا تنحرف عنها قيد خطوة إنشاء الله .
السيّدة الوالدة وبنت العمّ الغالية يسلّمان [ ومشتاقتان ] ، وأنا بدوري أكرّر سلامي وشوقي إليك وإلى جميع الصديقات والأليفات ودمت للمخلصة .
آمنة الصدر
بنت الهدى » « 1 » .
وصيّة صبيحة ليلة العرس
يبدو أنّ العروسين انتقلا إلى كيفون « 2 » ، وصبيحة ليلة العرس جلس العروسان على مائدة الإفطار في شرفة مطلّة على سهل ( كيفون ) ، وكان ممّا دار بينهما في هذه الجلسة أن ابتدر السيّد الصدر عروسه بالحديث بعد سويعة صمت وتأمّل : « ابنة العم ! لا تحسبي أنّني [ أتعرّف عليك ] لأوّل مرّة ، فقد سكنتِ قلبي وعَرفتْكِ روحي مذ حدّثني عنك سيّد موسى . لقد عرّفني على شمائلك ، ووصف لي رجاحة عقلك ، وعلو همّتك ، وكبر ذاتك ، وشفافية روحك . لقد عرفت منه تفانيك للخير ، وحبّك للغير . . واعتماداً منّي على شمائل الطهر هذه ، وحرصكِ على رضا الله ، وإيثارك للمصلحة ، وتفانيك لمن تحبّين ، فإنّ لي إليك طلبتين :
الأولى منهما : أنا أعلم أنّك تحبّين الجميع كما أنا ، ولكنّي أطلب أن تمحّضي حبَّك بشكل خاص خمسةً من الناس ، لي بهم علقة خاصة : أمّي ، فإنّها أمّي ، أسعى لإرضائها ، وآمل أن تكوني لها بنتاً كابنتها العلويّة بنت الهدى . وأخي الأكبر السيّد إسماعيل الصدر ، فإنّه أخي وعضدي وسندي في الآمال والآلام . فأنا بين يديه كالابن أمام أبيه ، وكالتلميذ قبال أستاذه . . إنّه لي راعٍ وصديق وحبيب . ثمّ أختي وتوأم نفسي آمنة ، فإنّها رغم أنّها تصغرني بثلاث سنوات ، إلّا أنّها صهرت ذاتها في وجودي ، وفاءً وفداءً لمقدّس مشترك نسعى للوصول إليه . . إنّها رفيقة نضالي وكفاحي ، وشريكتي في مسيري ومصيري ، ولسوف تبوح بذلك الأيّام . وكذلك السيّد موسى شقيقك ، الذي علّقت عليه كثيراً من آمالي ، وتعلّقت به روحي . وأخيراً : الشيخ عبد الحسن البلداوي ، فإنّه في مقام والدي ، وقد تعهّدني وأختي العلوية بالرعاية منذ طفولتنا عندما توفّي والدي وأنا في الثالثة من عمري . حتّى أنّني لا أتذكّر إلّا صورة سديميّة عن المرحوم والدي . فكان الشيخ عبد الحسن مسؤولًا عن قضاء حوائج البيت ، من توفير لوازم المعاش والعلاج وكلّ الضرورات عندما كنّا في مدينة الكاظميّة .
فهؤلاء الخمسة ، انسجمي معهم ، وأحبّيهم حبّاً خاصّاً كما أحبّهم .
أما الطّلِبة الثانية وقد قالها مازحاً في ابتسامة محببة ، أشرق لها وجهه - : أريد منك أن تنجبي لي فتيات ثلاثاً ، هنّ في حسنهنّ كالذي تصفه الأمّهات في أقاصيصهنّ لأطفالهنّ ، ومن بعدهنّ أتحفيني بصبيٍّ يكون قرّة عين لي ولك » . ولمّا استفهمته لِمَ يحبُّ أن يرزق بفتيات قبل الصبي ؟ أجاب : « إنّ الولد يحتاج منّي لتفرّغ وعناية خاصّة ، فهو يشكّل مسؤوليّة أثقل من مسؤوليّة تربية البنت ، ولست في حال يسمح لي بهذا التفرّغ ،
هامش
( 1 ) انظر الوثيقة رقم ( 49 )
( 2 ) يظهر هذا ممّا يأتي ، وكان الحاج محمّد يوسف سويدان قد أخبرني بتاريخ 24 / 7 / 2004 م أنّ ذلك كان في بيت السيّد عبد الله صفي الدين الذي قدّم لهما فطور العروسين اللبناني ، وهو عبارة عن ( السودا ) ، أي الكبد .