وكان إذا تحدّث إليه أحدهم - وهم ما بين العقد الأوّل والثاني من أعمارهم - يصغي إليه إصغاءه للكبار يناقشه ويحاوره ، وهو يحاول بذلك أن يزرع في نفوسهم الثقة والاعتماد على النفس وقوّة الشخصيّة . وأتذكر أنّ إحدى بناته الصغار - وكان عمرها في حدود العاشرة أو أقلّ - كانت قد أعدّت دفتراً وفي كلّ يوم كانت تطلب منه كتابة حديث أو رواية فلم يكن يتردّد في التجاوب معها فيملي عليها حديثاً أو رواية ، وكانت تحفظ ما يكتب لها ، وكان يسمّيها لقمان الحكيم ، وهي عقيلة الشيهيد الصدر السيد مؤمّل الصدر رحمه الله .
وكان ( رضوان الله عليه ) يربّي أطفاله على أنّهم ملك للإسلام ، وإنّ ما في أيديهم من أموال أمانة لا ملك ، وأتذكّر حينما اساعد في فرز المال وتقسيمه في آخر كلّ شهر ، كان بعض أطفاله - وهو صغار - يحضرون معنا في بعض الأحيان تلك الجلسات ، فيرون أكوام المال فيتعجّبون ، فكان يترك العمل ويتحدّث معهم فيقول :
( ( أولادي هذا المال ليس لي ، هذه أموال صاحب الزمان - عجّل الله فرجه - هذه أموال المسلمين أمانة بيدي ، أولادي المال ليس مهمّاً ، وهذ الدنيا لا قيمة لها ، إنّنا نريد الآخرة ، والآخرة خير وأبقى . . . ) ) .
ويتحدّث معهم بأمثال هذه العبارات والمفاهيم .
وكان ( رضوان الله عليه ) قد اتّفق مع زوجته المكرّمة السيّدة امّ جعفر ( حفظها الله ) في حال صدور ما يستوجب العقوبة من أحدهم أن تقوم هي بضربه وتأديبه ، وكذلك حوّلني نفس الشيء فيما يناسب ، وكان يعلّل ذلك بأنّ الأولاد أكثر إنشداداً إلى الام بحكم الفطرة والتربية والمخالطة ، وسرعان ما تستطيع إزالة ذلك من قلوبهم ، أمّا الأب فإنّه بحاجة إلى وقت أطول ليُحدث نفس الشيء ، هذا إضافة إلى أنّه أكثر قدرة من غيره على تغذيتهم بالمفاهيم والأفكار الإسلاميّة ، وهذا الأمر يحتاج إلى أرضيّة سليمة وقلوب محبّة .
شهيد الأمة وشاهدها — صفحة 207
مساهمون: الشيخ محمد رضا النعماني
ص٢٠٧